رمضان في ولاية بلا مساجد




بعدستي – مدخل المكتبة العامة في مدينتي ناشوا بولاية نيو هامبشر الأمريكية

صغاراً كنا.. نتسابق لسطح المنزل ونوجه أبصارنا صوب “جبل المدافع” .. واحد.. اثنان.. ثلاثة…حتى نكمل العد .. واحد وعشرون… احدى وعشرون طلقة مدفع، تطلق ترحيباً بضيف جديد… ضيفنا هنا ليس رئيس دولة.. بل هو شهر رمضان المبارك.. كما جرت العاده منذ أيام الخلافة العثمانية لتحية رمضان في مدينتي قلب العالم الإسلامي مكة المكرمة..“هيه هيه رمضان كريم” صرخات الفرح.. نتسابق لتبادل التهاني والتحضير لأول أيام الصوم.. يتصل أبي “استعدوا سأمر لآخذكم للمسجد الحرام لصلاة تراويح أول ليله”.. في نهار رمضان..تعد أمي “شوربة الحب”.. وتوصي أخي ألا ينسى كيلو “سمبوسة عم صالح” و الفول وكيس السوبيا..ليس مفاجأة حين نسمع جرس الباب وابنة جارتنا تقف وبيدها طبق مغطى تفوح رائحة شهية منه… “أمي تسلم .. عليكم”…نجتمع على سفرة الطعام منتظرين سماع مدفع الإفطار…لا أظنك ستشعر بروح رمضان في أي مكان في العالم مثلما ستشعر به في “مكه”.. فهي محط أنظار العالم كل ليلة وقت صلاة القيام…. وليلة الختمة حيث لا تجد موطأ قدم في المنطقة المحيط بالحرم المكي.. والأكلات “المكاوية” التي جاءت من الجهات الأربع نظراً لطبيعة المجتمع المكي المتنوع الثقافات.. … مدينتي في رمضان مزدحمه.. مبتهجة.. تحتفل بليال رمضان حتى خيوط الشمس الأولى….

الآن أنا في الجانب الآخر من العالم…. أنظر للساعة المعلقة على الحائط! الثامنة إلا ربع.. وقت الإفطار.. لا صوت مدفع أو أذان يصدح..فقط تك تك.. أحول بصري لطاولة الطعام كأس ماء، معكرونة، علبة زبادي.. ليست المائدة المعتادة.. أفتح التلفاز.. كم أفتقد البرامج الرمضانية. أتحول لجهاز الكومبيوتر… أبحث بشوق عن مواقع القنوات العربية..آه.. نسيت أنه وقت السحور هناك..فارق التوقيت سبع ساعات..
لا يوجد أي مسجد في ولايتي. “نيو هامبشر”. فتعداد المسلمين هنا ٣ آلاف. مازالوا يجمعون التبرعات لبناء أول مسجد.. لا .. صلاة تراويح إذن.. فأقرب مسجد لي في الولاية المجاورة..

مدينتي الصغيرة “ناشوا” تنام مع رحيل الشمس.. هدوء مخيم… يغلق كل شيء أبوابه الساعه التاسعة… ساعة فقط بعد غروب الشمس..رغم أني قضيت هنا ٨ أشهر .. فإنها المرة الأولى التي أشعر فيها بالوحدة..

زملائي في العمل لم يلتقوا بمسلم من قبل.. كانت الأسئلة كثيرة عن رمضان.. لماذا نصوم.. أحدهم قال مازحاً “أراهن على أن اليوم يمر بطيئاً بلا أكل”..لم أشعر يوماً بذلك.. فرمضان من أجمل شهور السنة عندي وأسرعها مروراً.. أكمل: “ لو كنت مكانك لنمت طوال النهار واستيقظت طوال الليل لآكل” …لا أعلم لماذا بدت كلماته مألوفه.. أحدهم يريد أن يصوم يوماً تضامناً معي.. قال لي:” أريد أن أعرف كيف هو شعور الصائم.. أنا متأكد أن هذه التجربة ستعلمني قوة .. الإرادة”.. لم
أشك يوماً في ذلك .. فأن تمسك عن الأكل وهو أمامك لهو قمة التحكم في النفس..

يوم جديد.. انظر للساعة تقترب من وقت الإفطار.. تك تك.. وأعود بذاكرتي لسمبوسة عم صالح وصوت المدافع

نشرت في صحيفة القافلة الأسبوعية

Advertisements

One comment on “رمضان في ولاية بلا مساجد

  1. مبروك عليك الشهر اول شي ، كلام جميل جداا ويحس الواحد انه نابع من القلب وفيه ذكريات جميله ، خلتني اتذكر ايام رمضان الجميله والرائعه جدا وبالأخص ايام الطفوله

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s