Posted in مقالاتي في الحياة

يوميات مواطن عائد


جلس منصور ينظر من نافذة الطائرة بشغف الأطفال، قبل أن تهبط طائرته على أرض الوطن الذي غاب عنه كل سني حياته، بعد أن قضاها في الخارج بحكم عمل والده في السلك الديبلوماسي، تخرج منصور كمهندس كهربائي وها هو الآن يتطلع لمستقبله الممتد أمامه كتلك الكثبان الرملية الممتدة.

حين وصلت العائلة لأرض الوطن، كان عليهم البحث عن منزل، ذهب منصور مع والده لأحد المكاتب العقارية، كان رجل العقار الكبير يجلس خلف مكتب يتوسطه شيئان، مخططات كثيرة و«كرشة» عظيمة، بكل ثقة قال أبو منصور: «نريد منزلاً في حي راقٍ ولا تشيل هم الفلوس عندك لمليوووووون ريال». ضحك رجل العقار حتى أهتز كرشه، وفتح خريطته على المكتب، وأشار إلى مكان ما خارج حدود الخريطة، وقال: «فلوسكم ماتجيبلكم إلا بيت هنا».

سكنت العائلة بيتها الجديد خارج المدينة، البيت أسواره عالية جداً و«حديد الحرامي» مغروز في كل نافذة من نوافذ البيت الضيقة التي تمنع أشعة شمسنا السخية، البيت كأنه لعائلتين، مدخل رجال – مدخل نساء، مجلس رجال – مجلس نساء، حمام رجال – حمام نساء. نصف البيت محجوز للضيوف ومهجور معظم أيام العام. لا ننسى غرفة السائق والعاملة المزلية التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من البيت.

للمرة الأولى يخرج منصور لتناول طعام العشاء في أحد المجمعات التجارية، قابله عند البوابة حارس الأمن: «وين يالحبيب؟ عوايل عوايل». منصور لم يفهم لماذا يصرخ في وجهه حارس الأمن وكأنه حشرة غير مرغوب فيها.

ذهب منصور لاستراحة أبناء عمومته… الاستراحة تبدو كفقاعة منعزلة تماماً عما يوجد خارج أسوارها!

في خضم الأحاديث مع أبناء العمومة قال منصور: «تصدقوا اليوم كنت مع أختي منيرة وكنا…»، سكتت كل الأصوات واتجهت كل العيون صوب منصور بنظرات شزر، قال ابن عمه سالم: «منصور شكلها الغربة أثرت على مخك، عيب تقول اسم أختك في مجلس شباب، من اليوم ورايح اسمها الأهل». قال منصور مشدوهاً: «لكن عندي ثلاث أخوات!؟»، «بسيطة سمهم الأهل واحد، الأهل اثنين، الأهل ثلاثة».

مل منصور من جو الاستراحات المغلق، طلب من سالم أن يريه أهم المعالم السياحية في مدينتهم، ضحك سالم كثيراً: «يا ولد عمي عندنا أهم معلمين سياحيين كل الناس تروحها في الإجازة… دبي والبحرين»

قرر منصور الزواج: «أمي ابحثي لي عن بنت الحلال»، تهلل وجه الأم: «أخيراً سأرى أبناءك، وعندي لك أجمل عروس»، طلب منصور أن يرى عروسه قبل الزواج ليطمئن قلبه. قالت أمه: «انتظر بضعة أشهر وستأتي الإجازة، أهلها يقضونها في لبنان، أكيد سنراهم في السوليدير». وتم ما وعدت به الأم من رؤية شرعية خارج حدود الوطن.

بعد زواج مهيب قصم ظهر العائلتين، استقر منصور أخيراً في شقة أضيق من غرفته في بيت الوالد، وبإيجار يعض ثلث الراتب الهزيل من الشركة الخاصة التي يعمل بها. الشركة نفسها يقبض فيها زميله «الخواجة» أربعة أضعاف راتبه. مصاريف الزواج أثقلته بديون عريضة لم تمكنه من إكمال تأثيث بيت الزوجية، لكن الله رزقهم بطفلتين أصبحتا كل شيء في حياتهما، وتمر الأيام، وتحصل ترقية غير متوقعة لنسب عائلة زوجته، يرفع الأب دعوى قضائية على منصور ليطلق ابنته. قال له أبو زوجته في المحكمة: «أنت 110 مو من مواخيذنا». وقف منصور ينظر بحسرة لبسطة بائع التمر أمام المحكمة بعد أن طلق القاضي زوجته منه رغماً عنه… وفكر أن يعود لمقاعد الدراسة مرة أخرى، لأن كل ما علموه إياه في كلية الهندسة الكهربائية عن تيار 110 و220 كان خاطئاً تماماً.

نشرت في صحيفة الحياة اللندنية
http://ksa.daralhayat.com/ksaarticle/362748

Advertisements

الكاتب:

خلقنا الله أحراراً ومتساوين.. ليس من حق أحد سلبك هذا الحق.. إلا إذا رضيت أنت بذلك God created us free and equal. No one can take that away unless you allow it.

One thought on “يوميات مواطن عائد

  1. ذبحتنا العادات والتقاليد….واكبر قهر لمن تدرس وتحصل على شهاده كبيره وتشتغل براتب بسيط في وطنك رغم ان الاجانب بنفس شهادتك واعلى منك راتب..
    ذبحونا التجار الجشع والطمع ملئ عيونهم

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s