Posted in مقالاتي في الحياة

علمتني «بوسطُن»


بوسطن بعدستي

 

بوسطُن مدينتي الجميلة، أو مهد الحرية، كما يسميها الأميركيون، تاريخ قريب لا يتجاوز 400 عام، لكن مبانيها الأثرية الأنيقة ترتفع بشموخها على أعلى ناطحات السحاب في بوسطُن، تلك المدينة التي تنام بدلال على ضفاف نهر التشارلز، قد تبدو عادية بشوارعها الضيقة ومبانيها المتلاصقة، لكن هذا ما سيبدو للزائر العادي وليس للزائر المتلهف لمعرفة ما وراء أحجارها العتيقة، لو كان لمباني بوسطن وأرصفتها أن تتكلم، لحكى كل حجر أروع فصول الملاحم التي عاشتها هذه المدينة في سبيل استقلال العالم الجديد من استعمار العالم القديم، وهنا أيضاً بدأت ثورة تحرير العبيد، وأنشئت أعرق جامعات العالم.

شوارع المدينة المتعرجة والضيقة مازالت مرصوفة بالحجارة، وبيوتها ذات الطراز الفيكتوري، الذي ورثته من مستعمرها البريطاني من أجمل ما فيها، بوسطُن من المدن التي تجعلك تعشقها، تغرم بها، ولا تنساها، قابلتها أول مرة ذات شتاء، كانت كالعروس ملتحفة بثلوج كانون الأول (يناير) البيضاء، الأشجار خلعت أوراقها، تزورها الشمس سويعات قليلة في الشتاء وترحل عنها سريعاً ليحل محلها سكون الليل وصمت الثلوج.

منطقة بوسطُن الكبرى «أو الميتروبوليتان»، لمن لا يعرفها، من أهم مراكز التعليم في أميركا والعالم، إذ تحتضن ٥٢ جامعة وكلية ومعهداً للتعليم العالي في مكان واحد، ومن المدهش أن أشهر وأعرق جامعتين في العالم، «هارفارد ومعهد ماساتشوتس للتقنية»، يقعان في هذه المدينة ولا يفصل بينهما سوى ميل واحد.

لم يكن لي سابق عهد بالعيش خارج وطني، وكانت بوسطُن أولى محطات اغترابي عن الوطن، عشت بينها وبين مدينة ناشوا عاماً كاملاً، مررت فيه بتجارب علمتني بحلوها ومرها ما تعلمته هنا طوال حياتي.

كامرأة علمتني «بوسطن» أن بإمكاني أن أبحث عن مكان سكني وتأجيره وتأثيثه بنفسي، قد يكون كلامي غريباً، لكن حين انتقلت للعيش والعمل في المنطقة الشرقية بعيداً من أهلي، تجرعت الكثير من الإهانة والمرارة في سبيل إيجاد مسكن وتأجيره، إذ اشترط جميع المؤجرين وجود محرم لتوقيع العقد، في بوسطن حصلت على رخصة قيادة صالحة لمدة خمس سنوات استخدمها اليوم عند سفري لأي مكان في العالم لتأجير سيارة، في حين حرمت منها هنا، كامرأة تمكنت من استخراج جميع أوراقي الثبوتية وباشرت العمل في المكتب من دون أذونات من «ولي أمر».

كمقيمة تعلمت أن القوانين تطبق على الجميع بلا محسوبية ولا طبقية، فالجميع أمام القانون سواسية، تعلمت أنه مهما اختلف جنسك أو عرقك فالجميع يتساوون في الأجور عند القيام بالعمل نفسه حتى بين الأميركي والهندي والأوروبي، وأن من لا يحترم حقوق المشاة سيكون من نصيبه مخالفة.

تعلمت أن ذوي الاحتياجات الخاصة يمكن أن نراهم في كل مكان، وأي مكان، يعيشون حياتهم بشكل طبيعي بل وينتجون، لتوفر الأماكن والخدمات الخاصة بهم.

كإنسان، تعلمت أن القراءة في الأماكن العامة ليست نكتة، وأن الأرصفة للمشي أيضاً، وأن الحرم الجامعي بلا أسوار، وأن خدمة ما بعد البيع واقع، وأن الأخلاق قبل كل شيء، وأن الابتسامة لغة يفهمها الجميع، وأن للغريب احترامه الكامل، وأن الأصدقاء الحقيقيين ستكتشفهم في الغربة، وأن أشتاق للآذان وطعام أمي وحضن أبي وبسمة أخي.

من الطرائف، أن «بوسطن» علمتني أيضاً أنني إذا «تهاوشت» مع المجموعة لأدفع فاتورة المطعم مرة، سأدفعها كل مرة، فكرم أهلنا لا مثيل له في كل الدنيا.

لكن أجمل ما علمتني «بوسطن»، أن أكون نفسي كما أنا.

 

 
الاربعاء, 11 أبريل 2012

 

Advertisements

الكاتب:

خلقنا الله أحراراً ومتساوين.. ليس من حق أحد سلبك هذا الحق.. إلا إذا رضيت أنت بذلك God created us free and equal. No one can take that away unless you allow it.

15 thoughts on “علمتني «بوسطُن»

  1. مقال جميل يصف بعض جوانب تجربت غربتك و الحريه في الاختيار و التصرف. تلك الحرية التي علمتني كما علمتك! علمتني أن الاستقلال في بلاد الغربة يصقل الاعتماد على النفس و تقدير كل من يقدم لك يد المساعدة عند احتياجك لها. علمتني أنه ليس من السهل أن أجد الصديق الذي سيعطني من وقته ما يكفي لأزيح عن نفسي ما كنزته الغربة في صدري من هموم و يستقبلها ليخفف عني رغم ما يحمل هو مما يزيد عن احتياجه من تلك الهموم. علمتني أن الحب شعور لا يوصف و السعادة التي تعتري الشخص المغرم لا يتوجب علينا اخفائوها فهي دليل لغيرنا على أروع ما يحمله هذا الشعور من معاني و أصفى و أنقى اللحظات مع شخص اختاره قلبك قبل عقلك. علمتني أن بغض النظر عما أدرس من تخصص لا حدود لستكشافي عما هو حولي سواء كان ذلك دروساً في الرقص الكلاسيكي أو تعمق في مجال أحببته. ففي كل مجال يجمتع محبوه في نادي تدعمه الجامعة و تدعم معه كل أحلامهم الطامحه و ابداعاتهم ليطلقوا العنان لأفكرهم لتنضح بما فيها من تميز لا يعرف الحدود. علمتني أني امتلك الخيار في توجيه حياتي أينما أشاء لكني سأتحمل عواقب أخطائي و سوء تقديري لردت فعل الآخرين. عندما تتخذ القرار بنفسك و إن لم ترضى أو تعجبك عواقبه ستكون قد تعلمت من أخطائك و لم تنصاع وراء ما يراه الآخرين ليعشوا حياتك بالنيابة عنك. هذا جعلني أحترم كل من اختار ما يرغب في دراسته من تخصص ,على سبيل المثال, على اللتصاق بوصايت أشخاص من شركة كانوا أو أهل لأنه يستحيل عليهم الاحساس بما تحس به من الراحة و السعادة حين تفعل ما تحب و تبدع. زادتي الغربة من الخبره و التجارب ما لا أستطيع تقديره بقيمه. فتحت عيناي لأقدر ما حولي بنضوج و اتزان. فشكرًا غربتي!

    1. ردك مقال بنفسه
      ليتني قرأت هذه الكلمات الجميلة التي ألهمتني قبل أن أرسل مقالي للنشر

      تعلمت كل هذه الأشياء في غربتي ويبدو أنني لم أستوعب ذلك وأنا أكتب المقال لأنها أصبحت جزءاً مني

      شكراً لمرورك الغالي

  2. الله
    شوقتينى اروح بوسطن بس لما اكبر 🙂
    امتى الاقى كل البلدان العربيه زيها زى بوسطن
    الاختلاف بينا وبينهم فى الانسان نفسه الجهل اللى سببه كل انظمة الفساد والديكتاتوريه التى تحكمنا وبسقوطها سنبدا
    فى مرحلة بناء الانسان من ازالة الجهل
    املى ان اجد كل انسان يتمتع بعلم حر لايوجد به تشدد
    املى ان اجد كل انسان يتمتع باقل امكانيات الحياه الكريمه
    فالعلم والصحه والحياه الكريمه هم سبيلنا لبناء الانسان ومن ثم بناء الاوطان
    تحياتى 🙂

  3. مقال اكثر من رائع,

    تضائلت مخاوفي من الدراسة بالخارج بعد قراءة مقالك.
    بدأت انظر لها انها فرصة لأعرض نفسي لتجارب جديدة بعد ما كانت نظرتي مقتصرة نوعاً ما على تأثيرها على مجال دراستي فقط…

    شكراً لك منال.

    1. ستتعلم كيف تحب.. كيف تكون نفسك.. كيف تكون صداقات لبقية حياتك.. كيف تعتمد على نفسك.. كيف تتقبل الآخر.. كيف تحترم القوانين.. كيف تحب مدينتك .. كيف تقتصد.. كيف تحافظ على البيئة.. كيف وكيف

      كل التوفيق ودراسة سعيدة
      🙂

  4. Hi Manal

    this is so true,I’m an Iraqi Canadian citizen; live and study in vancouver, and I agree that women are respected & valued in this part of the world. Keep up the good work

  5. شتان بين مدينة تستطيع أن تكون فيها كما أنت .. وبين مدائن تخنقك وتجبرك على أن تكون شخص آخر لكي تستطيع فقط مواصلة مايطلق عليه البقاء على قيد الحياة ..
    مدننا لم تكتفِ بإجبار شوارعها القديمة على ارتداء أقنعة إسفلتية قبيحة .. بل أجبرتنا أيضا ان نرتدي أقنعة حتى نصل إلى مرحلة نكون فيها نجهل ذواتنا الحقيقية ..

    شكرا لك لكتابة هذا المقال 🙂

  6. I was in Boston during September 11 crisis with my five children and my mother. I was joining Harvard school for clinical attachment in dermatology. My instructor was Dr Ivor Caro. Actually, Boston was a turning point in our lives..
    All what you have written is exactly as in my memory.

    One funny thing is that i remember buying a metro ticket for one month pass which I never taken because the next day I left to my country due to the crisis.

  7. لتتمكن من أن تكون (أنت)يجب على الدوله أن يكون لها دستور ! حتى ولو بصفة مدونة أحكام شرعيه شامله** وبذلك فقط تستطيع الدولة تخليصك من وصاية معتمرى شُمٌغ بلا عُقُل؟وباختطاف شخصك وشخصيتك وعقلك من قِبَل هؤلاء المهرطقين الكذوبين الذين ( يخادعون الله والذين آمنو وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون) الآيه* فأنت لست أنت ؟ وهذا يبين سبب ضياع وتخلف السعوديه؟منذ التأسيس وللآن لم يصنعو محرك طلمبة ماء؟مع الجامعات وآلاف المدارس؟ وبقيت نصف الأمه مشلوله تماماً؟ومحرّمه عليها قيادة دواب عصرها؟ بل تُركت نهباً لسائقين فاقدين الأهليه؟ غير محارم وفى خلوه محرمه شرعاً؟ السؤال :- كيف سمح هؤلاء المهرطقين لأنفسهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام؟؟والله حرام** وعار على جبين الأمه حكومة وشعباً؟ فمتى نعود لأنفسنا وللحق؟؟*******

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s