«معوق» في مجلس الشورى



اسمي محمد، أقعدني المرض في سن غضة جداً، فأصبحت معوقاً لا أتنقل إلا بهذا الكرسي المتحرك.

لست هنا وحدي، أنا واحد من مليون معوق في السعودية، نمثل ٧ في المئة من المجتمع، ولست هنا لأتسول تعاطفكم، بل أنا هنا لأفتح نافذة صغيرة على عالمنا تقرب بيننا وبينكم معشر الأصحاء.

في البداية كنت أصب اللعنات على الظروف التي سلبت مني نعمة الصحة. ثم نقلت هذه اللعنات على نظرات الشفقة في عين أهلي تارة وعلى تذمرهم من إعاقتي التي تحرجهم أمام الناس تارة أخرى.

أكملت تعليمي بنَصَب كبير، ١٨ عاماً مرت على تخرجي، ومازلت أبحث عن وظيفة، صاحب العمل يرى أن علاجي سيكبده الخسائر، لا يعرف أنني سأعمل بإخلاص المتفاني، لأن في ذلك إثباتاً لذاتي، ولا يعرف أن توفير فرصة العمل لي مشاركة في دعم اقتصاد وطننا، وإسهام في خفض كلفة الإعاقة على المجتمع والمتمثلة في كلفة الرعاية.

وبسبب بطالتي لم أتزوج، فإعانتي الشهرية من الشؤون الاجتماعية ٨٠٠ ريال لا تكفي حتى لمصاريف إعاقتي.

حلمي الآن أن أصبح عضواً في مجلس الشورى. لأن الجراح حتى وإن تنازلت عن كبريائك ووصفت ألمها لمن حولك، لن يتمكن أي شخص من الإحساس بها، فالجرح في جسدك أنت وحدك. إذا أصبحت في مكان صنع القرار، فهذا يعني كسر الانفراد بصنع وتفعيل القرارات والأنظمة التي تمسنا، سأعمل أولاً على تفعيل نظام رعاية المعوقين، الذي صدر بمرسوم ملكي منذ ١٢ عاماً ولم تفعل أي من قراراته حتى يومنا هذا، وأهم ما جاء في ذلك النظام إنشاء مجلس أعلى للإعاقة تكفل الدولة من خلاله حقوقنا، ويضم تحت مظلته جميع الخدمات المقدمة لنا والمبعثرة بين مؤسسات المجتمع المختلفة… آهٍ كم يبدو هذا المجلس حلماً طال انتظاره!

سأرفع مقدار الإعانة الشهرية للمعوقين، وأوفر لهم السكن المجاني، وأعفيهم من الرسوم الحكومية، ورسوم استقدام عمالة منزلية ترعاهم، وسأمنحهم العلاج المجاني في المستشفيات التخصصية، والأولوية في الوظائف الحكومية، من حقنا أن نخرج من أسوار المنزل ونعيش حياة طبيعية مثلكم.

نحن الآن نُعاقب مرتين، الإعاقة والعزل من المشاركة في الحياة العامة، لا نملك تغيير الإعاقة لكن نملك تغيير فكرتنا عن المعوق، ونملك تغيير البيئة حولنا لتصبح صديقة للمعوق.

سأجعل جميع الأماكن العامة والمرافق الحكومية والجامعات والمستشفيات مجهزة لاستخدامنا. سأنشئ برنامجاً توعوياً لكم أنتم أولاً لأغير النظرة السلبية عنا ولأنشر ثقافة حقوق المعوق وكيفية التعامل معنا.

هزة في حياتي:

ذلك اليوم وأنا أنتظر أخي عند باب السيارة، تقدمت فتاة نحوي من دون أن تنظر لوجهي، ألقت في حجري ريالات مكومة. شعرت لحظتها أن كرامتي أُهدِرَت على قارعة الطريق، لم تكن الصدقة من فعل ذلك، بل كلمة «مسكين» التي ألقتها تلك الفتاة مع كومة الريالات، أردت أن أصرخ وأكيل سيل الشتائم لتعود الفتاة وتأخذ حسنتها، فأنا إنسان متعلم ومثقف ومن عائلة، وكوني مقعداً لا يعني أني عاجز، أنا فقط مختلف.

شخص مختلف يريد أن يتفهم الناس هذا الاختلاف ويتقبلونه ويعاملونني كإنسان وليس كمسخ يلفت أنظارهم، أو يستجدي حسناتهم، نحن المعوقين لا نحتاج شفقتكم، ولكن تقبلكم لنا، نريد أن نعتمد على أنفسنا، لأن في ذلك سعادتنا، وحفظاً لكرامتنا.

* بعد انتظار ١٨ عاماً، وفي سن الـ50، تم قبول محمد في وظيفة «باحث قضايا مساعد» بالمرتبة الثالثة في وزارة العدل، وذلك بعد اجتيازه اختبار اللياقة الطبي، وفي يوم المقابلة الشخصية يتم رفضَه من مدير إدارة الترشيح وعلق ملفه لأجل غير مسمى.

نشر في صحيفة الحياة اللندنية

Advertisements

الكاتب: Manal M. al Sharif منال مسعود الشريف

خلقنا الله أحراراً ومتساوين.. ليس من حق أحد سلبك هذا الحق.. إلا إذا رضيت أنت بذلك God created us free and equal. No one can take that away unless you allow it.

2 thoughts on “«معوق» في مجلس الشورى”

  1. اولا الحمد لله الذى عافانا مما ابتلى به غيرنا
    ثانيا اسمحيلى ارفع لاستاذ محمد القبعه تحية له على هذه العزيمه التى يفتقدها القادرون فهو حول عدم مقدرته لعزيمه جباره ربنا يزيده ويسعده فى حياته ويجب ان يتعامل معه المجتمع كجزء منه له فوق الحقوق التى انتقصت منه فرغم نقصانه قادر على ان ينفع وطنه باكثر مايقدمه القادر
    عقلية التخلف التى تحكمنا هذه يجب ان تمحى
    ثالثا احييك د. منال على هذه اللافته الجميله التى تساعدينهم بها بقدر استطاعتك
    تحياتى 🙂

  2. بعض النقاط التي لفتت انتباهي من خلال متابعتي للمقالات والتغريدات

    ١- الخطاب في حفل التكريم كان خطاب شخصي بعد تسلم الجائزة و لم يكن عرضا تثقيفيا ولا ندوة إعلامية . لهذا كان الخطاب متضمنا لقصص شخصية أثرت في منال

    ٢- لم يكن هناك نشر للغسيل القذر لأن الوطن ليس بيت لأحدنا يحتكره و يحتكر المعلومة. العالم أجمع بات يعرف الوضع المتأزم هنا

    ٣- تسلمت منال الجائزة بصفتها معارضة اجتماعية لا معارضة سياسية.

    ٤- بالرغم من توجيه منال اللوم للصحوة (وشخصية جهيمان كبداية) إلا أن هناك مجموعة أسباب متضافرة أدت إلى تردي الوضع الحقوقي والإنساني في السعودية. منال ذكرت أحدها و لم تقل أنه ذلك هو السبب الوحيد

    ٥- منال تمثل نفسها بما هي عليه. لم تتسلم الجائزة إلا بهذه الصفة. يستحيل على مملكة مترامية الأطراف أن يظهر فيها من يقوم بالتمثيل الحقيقي لشرائح المجتمع.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s