«المغامرون الخمسة»… وأبلة «مقبولة»


Image

تلك القصص المهترئة، والغارقة في غبار الزمن، جاء على غلافها «المغامرون الخمسة»: تختخ – لوزة – نوسة – عاطف – محب. سألت ابنة خالي إن كان بإمكاني انتشالها من ركن النسيان، وكلي رجاء أن تعيرني لو قصة واحدة، أشارت بإيماءة ويالسعادتي قالت: «خذيها كلها». أذكر أنني قضيت أسعد إجازة صيفية مع المغامرين الخمسة، نفك الشفرات، ونقتحم المخاطر، ونتفوق بذكاء على أعتى المجرمين، ونسلم مطلوبي العدالة لرجال الشرطة. تحمست كثيراً حتى أنني قررت أن أكتب مغامراتي بنفسي، الأبطال هذه المرة أنا وأشخاص حقيقيون في حياتي، أخي محمد وأبناء عمومتي: أمل، أحمد، حنان، همام، حسام.

لم يكن عندنا وقتها أجهزة الحاسوب والطابعات لأطبع قصتي، ريالاتي التي ادخرتها من مصروفي خلال العام ذهبت على الكتب فلم أملك ثمن دفتر جديد. بدأت بانتزاع الأوراق الفائضة من دفاتر العام الدراسي المنصرم، وقصقصة جزء «الموضوع – التاريخ» من أعلى الصفحات. كنت أكتب المسودة بالقلم الرصاص، حتى إذا رضيت عن شكل الفصل الذي كتبت، حبّرت على الكلمات بالقلم الأزرق. ولأنني أهوى الرسم، بدأت برسم أشكال كرتونية لشخوص القصة وأحداثها. حتى اكتملت «قصتي» المغامرة. إن كنتَ من عشاق الكتب، وتعرف ذلك الشعور باللهفة والسعادة حين تمتلك كتاباً جديداً طال انتظاره، ضاعف ذلك مئة مرة لتعرف شعوري لحظة كتابتي لكلمة «تمّت» في آخر القصة.

كنت سأنتقل للصف السادس وكنت أعد الأيام ليبدأ العام الدراسي الجديد وأعرض إنجازي على معلمة اللغة العربية، معلمتنا المحبوبة أبلة مقبولة. وقفتُ بالكثير من الفخر وفراغ صبر انتظر أن تنتهي أبلة مقبولة من تصحيح الدفاتر. نظَرَت بهدوء من خلف عدسات نظارتها الطبية وابتسمت: «هاه يا منال، ما الجديد؟» ناولتها طفلتي «قصتي»، وشرحت كيف أنني قضيت إجازتي في كتابتها وكلي أمل أن تقرأها. مر يوم، يومان، أسبوع! وكل مرة تدخل أبلة مقبولة فصلنا، ألاحقها بعينين متسائلتين فيجيبني الصمت!

بعد أسبوعين مرا كعامين، مشيت في آخر الحصة بخطوات مترددة لأسأل عن طفلتي التي أودعتها رعاية معلمتي: «أبلة مقبولة، هل قرأتِ قصتي؟»، جاء الرد سريعاً غاضباً: «قصتك يا كذابة، نَقشْتِها من الآخرين وتدّعين أنها لك»؟ الإجابة لم تحتمل النقاش، فقد أصدرت معلمتي الحكم وانتهى الأمر! احمرّت وجنتاي من الخجل، فالفصل كله يسمع. «هل بإمكانك إعادتها لي رجاءً؟»، خرجت كلماتي في غمغمة أقرب للبكاء. ردت بحدة: «قصتك المسروقة مزقتها». تمزق قلبي مع جملتها التي أنهت الحديث بيننا! لم أتمكن من الاستدارة للعودة إلى مقعدي، فألم مواجهة زميلاتي بعد الاتهامات الجارحة لا يوازيه إلا ألم معرفة أن طفلتي «قصتي» تم اغتيالها ولن أراها بعد اليوم. وشعرت لحظتها بملوحة دموعي في حلقي بعد أن كتمت عيناي بوحها.

مازالت أستحضر هذه الذكرى الموجعة كلما أمسكت قلمي لأكتب شيئاً. لم أتوقف وقتها عن الكتابة، لكنني كنت أكتب لنفسي، أخبئ حروفي عن الأعين حتى لا تمزقها مرة أخرى. تمكنت حين جاء «الإنترنت»، وبعد سنين طويلة، من الكتابة في المنتديات تحت أسماء مستعارة، وظلت كلمة أبلة مقبولة «يا كذابة» تلاحقني كأشباح ليالِ أيار العاصفة. السؤال المرعب «هل مازالت أبلة مقبولة في مدارسنا وبيننا؟» حين يجتهد الطفل لإنجاز عمل ما، لوحة، قصة، صورة، قطعة موسيقية ويتلهف لسماع كلمات التشجيع والتوجيه، ونصدمه برد الفعل، فإما التكذيب والتشكيك في قدراته وإما برود التجاهل في أحسن الاسوأ.. هل نعي قوة الكلمات في حياتهم؟ فبكلمة واحدة نفتح أمامهم الآفاق ليبدعوا ويتفوقوا، وبكلمة واحدة أيضاً نمزق أحلامهم الصغيرة كل ممزق!

نشرته الحياة

الأربعاء ١ أغسطس ٢٠١٢

Advertisements

الكاتب: Manal M. al Sharif منال مسعود الشريف

خلقنا الله أحراراً ومتساوين.. ليس من حق أحد سلبك هذا الحق.. إلا إذا رضيت أنت بذلك God created us free and equal. No one can take that away unless you allow it.

2 thoughts on “«المغامرون الخمسة»… وأبلة «مقبولة»”

  1. للأسف نوعية أبلة مقبولة موجودة في المدارس و اماكن العمل و غيرها

    أي منشأه لا بد من وجود محبطين و حسودين و حقودين

    عليك ان تسيري و دعيهم ينابحون

    تحياتي

  2. الله ياخت منال ….ذكرتيني بقصص المغامرون الخمسه وكذلك قصص الشياطين ال13 ، كم كنت استمتع بقرائتها والعيش بين صفحاتها بكل براءة الطفوله وخيالها
    هل تصدقين أنني لازلت احتفظ بكميه كبيره من أعدادها حتى الآن في مستودع فلتي بالرياض رغم أنني نقلت لجده منذ 4 سنوات ولكن لازلت غير قادر على التخلص منها لأنها أصبحت جزء مني لا أستطيع استئصاله.
    للأسف ماحدث لك يمثل مستوى التفكير المتواضع وثقافة التعامل مع الطفل في أدنى مستواها وكم من طفل اصيب بعاهات نفسيه أثرت على مستقبله وضيعته بسبب مشابه .
    الحمدلله انك خرجت من هذه المحنه /الصدمه سليمه وأقوى منها.
    تحياتي
    محمد السقاف

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s