إلا رسول الله… يا مسلمين


الغضبة العارمة التي اجتاحت العالم الإسلامي، وبدأت شرارتها في مصر، حين نادى الإخوان المسلمون لمظاهرات تستنكر فيلم «براءة المسلمين»، أو Innocence of Muslims، الذي أساء لمقام النبوة، وتم تصويره في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وكان أحد أخطر تداعيات هذه الغضبة مقتل السفير الأميركي وثلاثة أميركيين آخرين من العاملين في السفارة الأميركية ببنغازي بليبيا، إذ لم يسبق مقتل سفير أميركي إلا في عام ١٩٧٩ في إيران، جاءت هذه الغضبة متزامنة مع الذكرى الـ11 لهجمات 11 أيلول (سبتمبر) على برجي التجارة العالمية في نيويورك، ومبنى البنتاغون في العاصمة الأميركية واشنطون، التي كان المتهمون الأساسيون فيها مسلمين.

المظاهرات التي نقلتها لنا القنوات الإخبارية من مصر وليبيا واليمن والسودان وأندونيسيا وغيرها من الدول الإسلامية، التي من المفترض أنها خرجت لتدافع عن نبي الرحمة، كانت عنيفة، تم فيها استخدام الزجاجات الحارقة، وعبارات السباب والشتيمة واللعن، وتمزيق الأعلام الأميركية، والتحرش بالمراسلين الأجانب، وكله في سبيل الدفاع عن نبي قال عمن آذوه ورموه بتهم السحر والجنون، وكادوا يقتلونه: «اللهم أغفر لقومي فإنهم لا يعلمون».

تقصيت عن الفيلم المزعوم الذي أقام الدنيا، لم أجد غير فيديو واحد من ١٣ دقيقة على موقع «يوتيوب»، عبارة عن مقاطع قصيرة وغير مترابطة لممثلين مغمورين، وملابس وديكور رخيص، وخلفيات مركبة بشكل بدائي جداً، وصوت بالكاد تسمعه، ما لفت انتباهي أن الصوت يتم تركيبه في لقطات محددة من الفيديو، وهي الكلمات التي تشير لمحمد، عائشة، خديجة، عمر، القرآن أو المسلمين. وعند التنبيش أكثر عن الفيلم المزعوم، لا تجد أي وجود له في قائمة الأفلام الأميركية، ولا حتى في قائمة الأفلام المستقلة، إذ ذكرت الإشاعة التي نشرها المسلمون أنه تم تصويره بتمويل من رجل أعمال إسرائيلي، وكلف إنتاجه خمسة ملايين دولار، مع أن من يشاهد الفيديو يجزم أنه لم يكلف حتى ٥٠٠ دولار.

المفاجأة جاءت من قناة «سي إن إن» الإخبارية، حين نشرت تفاصيل جديدة عن الفيلم، تبين أن الفيلم لا وجود له من الأساس، وما تم نشره على موقع «يوتيوب» ما هو إلا خدعة كبيرة تعرض لها الجميع، جاءت التفاصيل على لسان إحدى الممثلات اللاتي ظهرن في الفيلم، ففي عام ٢٠١١ قرأت الممثلة إعلاناً يطلب ممثلين لأداء دور في فيلم «محارب من الصحراء»، كان يدور في إطار تاريخي عن مصر قبل 2000 عام، ولم يكن له أي علاقة بالدين، «السكريبت» الذي شاركته الممثلة مع القناة لم يشر لأي شيء عن محمد، إذ كان اسمه في «السكريبت» جورج، وخديجة كان اسمها هيلاري. عرضت «سي إن إن» مع المقابلة بياناً موقعاً من ٨٠ شخصاً شاركوا في صناعة الفيلم، جاء في البيان: «يعلن طاقم الفريق عن استيائهم الشديد، وعن أنه تم استغلالهم من منتج الفيلم، إذ تم تضليلهم بشكل صارخ، وتم تغيير كتابة السيناريو بشكل جذري عند العرض، إننا نشعر بحزن عميق من المآسي التي حدثت بسبب هذا الفيلم».

ثم نشرت صحيفة «ديلي ميل» البريطانية أن أول ظهور للفيديو كان على موقع «موريس صادق» المحامي القبطي شديد العداء للإسلام، الذي غادر مصر منذ 1969، إذ لم يعره أحد أي اهتمام، لكن أحدهم وجد الفيديو وقام بترجمته ونشره، وانتشر بعدها انتشار النار في الهشيم.

باختصار: المسلمون وقعوا ضحية لكذبة، أبطالها مجهولون، جعلتهم يرتكبون المزيد من أعمال الشغب والعنف باسم محبة الرسول والدفاع عن الإسلام، والسؤال الأهم هنا، هل لو كان الرسول بيننا سيرضى أن ندافع عنه هكذا؟ هل نُظهر حبنا لنبينا بمزيد من التنفير من رسالته التي جاءت بنبذ العنف والدعوة للحوار والتعامل باللين مع أنكى الأعداء!

نعم… إلا رسول الله.. لكن هذه المرة لكم يا مسلمين!!

نشرته صحيفة الحياة اللندنية

الأربعاء ١٩ سبتمبر ٢٠١٢

Advertisements

4 تعليقات على “إلا رسول الله… يا مسلمين

  1. وهل لو كان الفيلم ضد قيادة المراءة او الليبرالية او غيرها من الامور التي تقوم بتلميع امريكا و الغرب عموما ، فهل كنتي ستدافعين عنهم ام تتركينهم 🙂

    حتى كلمة دفاع عن النبي عليه الصلاة و السلام ترفضين قولها 🙂

    واضح ان التعهد الي اخذوه على ابوك بالامارة مش نافع

    و المكالمات التلفونية و التحذير ما نفع معاك

    يحتاج الامر استضافتك مدة اطول في فندق عشر نجوم

  2. ملاحظه:حين نقول محمد لابد من الزام هذا الاسم مع الصلاة عليه لانك تتكلمين عن الرسول ( عليه الصلاة والسلام ) لا عن شخص اخر اسمه محمد !!
    اما عن الفيلم الفتنه الذي نشره واعده وفكر فيه الشر .. ف أنا من الثائرين ضده .. ولكني ايضا اتفق معاكي في نقطة العنف !!
    ولكنهم الى متى سيظلون يسئوون للرسول ووهو في جنة النعيم !!
    بالفعل احزن عليهم .. ونثور دفاعا لا عنفا وقتلا .. ومن فعل هذه الافعال قله قليل لايمثلون اخلاق الاسلام
    ف هناك افعال ايجابيه كثيره لم تذكر في مقالتك !!
    ربما لم تري سوى الجانب السلبي !
    اخيرا ( اللهم صلي وسلم على اشرف من خلقت )

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s