«الصفعة» التي أفقدتني إيماني


كانت ترتدي معطفاً زاد من حجمها مرتين ليقيها برد «مونتريال» في الشتاء، واضعة غطاء الرأس الملتصق بالمعطف على شعرها الأسود الناعم… تبدو لمن يراها للمرة الأولى عربية جاءت من شاطئ الفرات، أو جبال الحجاز، بعينيها السوداوين الدافئتين… حتى تبدأ بالكلام بالإنكليزية… صديقتي «أغاثا»… درجة الحرارة تحت الصفر، لم يمنعها ذلك من أن تمشي معي من بيتها تحت الثلج المتساقط بخفة، بين حانات وبنايات «مونتريال»، التي تتشابه مع شوارع «نيويورك» حد التطابق… كنت أرتعش تحت معطفي الخفيف، لم أعد أشعر بأرنبة أنفي ووجنتيّ… للبرد لفحة حارقة كلفحة شمسنا القاسية… قفازي الجلدي عجز عن تدفئة أصابعي، ظللت أفكر أنني إذا أخرجت يدي من القفاز سأجد أصابعي تكسرت وتساقطت، سأصير بلا أصابع… نفضت الفكرة المرعبة، وأنا أنفض الثلج عن كتفي، مازالت أرى حركة أصابعي، على رغم أنني لا أشعر بوجودها من شدة البرد.

دخلنا أخيراً لمقهى مزدحم، صوت الموسيقى الباريسية يصدح من سماعات المقهى، رائحة الفطائر الشهية تزكم الأنوف… «بونجور، فنجان قهوة ساخنة، إذا سمحتي!»… قلت بأنفاس باردة تنتظر أن تعانق فنجان القهوة الساخن لتهدأ… جلسنا بعد أن خلعنا أرتال الملابس على مشجب المقهى.

امتدت جلستنا لساعات، أخذنا الحديث لأيام طفولتنا… من القصص التي ظلت عالقة بذاكرتي قصتها مع جدتها، عائلة «أغاثا» تعتنق الكاثوليكية، تقول أغاثا: «جدتي كانت أكثر امرأة رأيتها في حياتي عبادة، تقرأ الأذكار عندما تستيقظ وقبل أن تنام، تجلس على مسبحتها طوال اليوم تسبح، تذهب للكنيسة كل أحد لتحضر القداس وتستمع للموعظة الأسبوعية، لكن جدتي إذا جلست مع صديقاتها تسلق الناس بلسان حاد، تغتاب تلك وتنم في ذاك، تتحدث في الناس بالسوء في غيابهم… كنت طفلة وقتها، وكنا في زيارة لجدتي، جلست معي تسألني إذا كنت أحفظ الأذكار اليومية، ولما لم أكن أحفظها جيداً بعد، قالت لي مهددة: «الله يغضب على من لا يعرف كيف يذكره»… سألتها ببراءة: «ظننت أن الله يغضب أكثر على من يذكر الناس بالسوء في غيابهم»… لم أستوعب إلا بعد أن شعرت بحرقة صفعتها القوية التي طالت خدي الأيمن وفمي… حتى أن الدموع تحجرت في مقلتي من قوة الألم… وأنا طفلة لم أفهم رد فعلتها ذلك، كل ما عرفته أنني لن أتمكن من الشكوى لأمي، لأن أمي ستصفع خدي الآخر، لكن الدرس الأكبر الذي تعلمته في حياتي أن التعصب الديني لا يورث صاحبه إلا العجب والغرور، فيرى نفسه فوق الناس، وفوق الشبهات، وأكبر من النصيحة… يستحل أعراض الآخرين ويهاجمهم سراً وعلانية، لأنه يرى نفسه خيراً منهم… فهو المهدي وغيره الضال… توقفت عن الإيمان بالكاثوليكية، ومع أنني تائهة أقرأ في الأديان، حتى أنني قرأت التلمود والقرآن… لكنني لا أريد أن أنتمي لدين يجعلني أعامل الناس بفوقية معرفة الحقيقة التي أظن أنهم حرموا منها».

شرحت لـ«أغاثا» أن جدتها لا تمثل فقط المتعصبين الكاثوليك، شهدت طوال حياتي المتعصبين المسلمين، كيف يحرصون أن يتبعوا كل قول مغالٍ في الدين، ويحجبون جوارحهم عن المعاصي الظاهرة، ولا يحجبون قلوبهم عن الظن السيء بالخلق، وأذيتهم بالقول والفعل… شوهوا بأفعالهم أسس الدعوة الإسلامية حتى بغضهم الناس وما فيهم من تدين، وتناسوا أن الدعوة قائمة على أساس: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)… كان أبي يعلمنا صغاراً: «حُسن أخلاقك مع الناس مقدم على حُسن عبادتك لله… فالله يسامح في ما بينه وبين عبده، ولا يسامح في ما بين عبده وبين الناس». رحم الله الإمام محمد الغزالي حين قال: «إن انتشار الكفر في العالم يحمل نصف أوزاره متدينون بغضوا الله إلى خلقه بسوء صنيعهم وسوء كلامهم».

نشرته صحيفة الحياة

الأربعاء ٢٠ مارس ٢٠١٣

Advertisements

الكاتب: Manal M. al Sharif منال مسعود الشريف

خلقنا الله أحراراً ومتساوين.. ليس من حق أحد سلبك هذا الحق.. إلا إذا رضيت أنت بذلك God created us free and equal. No one can take that away unless you allow it.

9 thoughts on “«الصفعة» التي أفقدتني إيماني”

  1. عندما ننظر الى وطننا العربي الغالي ,نظرة تمعن وتفحص ,تبكي العين الى الحال الذي وصلنا له من حال الفرقة الذي اصابنا من اناس يستغلون حبنا للديننا وهم بعيدين كل البعد عن الاسلام السمح ,الاسلام الذي بنى حضارات ,الاسلام الذي فتح المشرق والمغرب بحسن الاخلاق وليس بالسيف

    1. سبحان الله.. نفس ما أردده دائما.. دخل في الإسلام بحسن الأخلاق أضعاف مضاعفة ممن دخلوه بحد السيف.. وفي النهاية من يدخل بالقناعة هو من يحسن اسلامه ويصدق في نيته.. للأسف تم تشويه تاريخنا الإسلامي وتسييس الدين من أجل السلطة والمال.. شاكرة للمرور والتعليق

  2. التعصب لدين ما او مذهب ، دائما لا يجلب الا الحقد والكراهيه للاخر …الاعتدال جميل، بعض المتدينون صوروا لنا بان الطرق اباخر يمثل بؤره الشر ولايمكن التعايش معه ، مقال جميل جدا شكرا استاذه منال

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s