آدم… لا تقرأ هذه المقالة


في العام ٢٠٠٢ في مبنى أرامكو المساعدية في مدينة جدة، وقَّع والدي أوراق الموافقة على التحاقي بالعمل في مكتب أرامكو الرئيس في الظهران الذي يبعد ١٤٠٠ كيلومترات عن منزل عائلتي في مكة. «موفقة يا بنتي، أرامكو فخر العمل معهم»، كانت تلك كلمات والدي الحانية التي تلت توقيعه للأوراق. استقبلتنا أمي في المنزل بالكثير من البهجة المغلفة بالقلق: «ستسكنين بعيدة عنا! ماذا سنقول للناس؟». على رغم قلق أمي كنت سعيدة جداً، وعندما بلغ الخبر بعض زميلات دُفعتي، وصلني اتصال من إحداهن: «متأكدة أنك ستعملين مع رجال؟ لن تتزوجي إذاً أبداً».

عزيزتي حواء، هل يبدو هذا الجانب من قصتي مشابهاً لما مررتي أو ما زلتِ تمرين به في حياتك؟ أعني قراراتك المصيرية تعتمد على موافقة الرجل حتى بعد بلوغك سن الرشد، وحتى وإن وهبك الله رجلاً متفهماً وداعماً، ستتولى النساء في عائلتك مهمة القلق من كلام الناس ونظرتهم، وتتولى صديقاتك مهمة «التنغيص» عليك، وتذكيرك بأن أي قرار في حياتك يجب ألا يتعارض أو يقلل من فرصك في الزواج.

مرت أكثر من 10 أعوام على هذه القصة، أحمد الله أن الأعوام الأخيرة التي ابتعثت فيها الآلاف من بنات الوطن أثبتت أن المرأة السعودية تستطيع أن تكون كائناً مستقلاً مستحقاً للثقة بلا وصاية. لكن تظل معضلة الوصاية داخل أرض الوطن تؤرق الكثيرات، فلا القوانين تغيرت، ولا نظرة الرجل باستحقاق الوصاية على امرأة بالغة عاقلة راشدة تغيرت، ولا المرأة تغيرت نظرتها عن نفسها بتصديقها أنها ناقصة الأهلية، بحاجة إلى رجل يقوم باتخاذ القرارات نيابة عنها، ولا تتخذ قراراً إلا بإذنه حتى لو كان خروجها من البيت! ولا ألوم الرجل، فما دام القانون والخطاب الديني يجتمعان على منحه دور الوصي الولي، فكيف له أن يخلع طائعاً ثوب «الحاكم بأمره»؟ لكنني ألوم المرأة التي ما زالت تعيش الكذبة، ولم تبحث عن الحقيقة الغائبة والمغيبة، فما زالت تصدق الفتاوى والأحكام التي تقلل من شأنها وتهينها بلا تساؤل: «كيف كرم الإسلام المرأة عن وضعها في الجاهلية، وهي الآن تعيش وضعاً لا ترضاه حتى نساء الجاهلية»!

وعلى رغم أنني اتخذت قرارات في حياتي لأخرس الناس عن الكلام، وندمت عليها لاحقاً أي ندم، لكنني خرجت من تجربتي بدروس سأكتبها لتقرأها ابنتي بعدي، إن وهبني الله ابنة:

«يا بنيتي، بلغتي اليوم سن الرشد، كنت وأبيك معك، نوجه ونربي ونرشد، واليوم أنت شخص مستقل، فليس لنا عليك إلا إبداء الرأي، إن جئت يوماً لنا طالبة النصيحة، ستتخذين قرارات خاطئة، وستمرين بتجارب فاشلة، ستمرين بضغوط وإحباطات ممن حولك، لكن الخبر السعيد أن كل ذلك من سنن الحياة، لا تقفي على الفشل طويلاً، فما هو إلا درس يعدك لما هو أجمل، لا تأخذي رأيي كمسلمات، ابحثي عن الحقيقة بنفسك، فكم من أمور ظننت أنها الحقيقة المطلقة، هدمها كثرة القراءة والانفتاح على سماع الرأي المقابل، لا شيء يدفع على التغيير، ويمنحك الثقة مثل المعرفة، الناس عندنا سيتكلمون حين تحاولين، وسيحسدون حين تنجحين، وسيشمتون حين تفشلين، فلا تعيري كلامهم بالاً، عيشي لما تؤمنين به، لا لما يؤمن الناس أنه الأفضل لك، فلن يكونوا معك عند حاجتك إليهم، فلماذا تهتمين بكلامهم أصلاً؟ استقلي مادياً عني وعن والدك وعن كل رجل، تملكين حياتك ورأيك، لكن أهم درس أبثه لك ألا تجعلي الرجل فَلَكاً تدورين فيه، بحاجتك الدائمة إليه، ستكونين عبئاً يهرب منه لا إليه، باختصار لن تكتملي بوجوده إن لم تكتملي بغيابه، حبي الكبير».

نشرته الحياة

Advertisements

الكاتب: Manal M. al Sharif منال مسعود الشريف

خلقنا الله أحراراً ومتساوين.. ليس من حق أحد سلبك هذا الحق.. إلا إذا رضيت أنت بذلك God created us free and equal. No one can take that away unless you allow it.

3 thoughts on “آدم… لا تقرأ هذه المقالة”

  1. استاذه منال انا اكتب لك الان ودموعي على خدي الان رجعت من الاحوال المدنيه ورفضوا يطلعوا لي بطاقه بحكم ان اخوي باقي ماوصل ١٨سنه وابوي معارض اطلع بطاقه
    هذا ابسط مثال لتحكم الرجال بنا
    والكثير الكثير من طموحاتي امالي تحطمت ودفنت بسبب الرجل (المحرم )
    الان انا على وشك تخرج وايضا سابكي كثيرا بحكم ان الرجل المحرم سيتدخل بالوظيفه الي سوف اختارها
    اتمنى ان اكمل دراسات عليا في الخارج لاكن هي امنيه اتوقع بان تحقيقها محال في وجووود الرجل المحرم
    والله قمت القهر ان اترجىء اخوي الي اصغر مني ب٦سنين ان يوديني ويجيبني واحياننا اظطر للبكاء حتى يفهم الرجل المحرم ان المشوار الي بروح له مهم

    1. عزيزتي، أتفهم حزنك كثيرا. ولكن تقدرين تطلعين بطاقة الأحوال من أي مكتب أحوال مدنية حتى اللي داخل المجمعات التجارية بتعريف امرأة. في السابق كان امرأتين تأكدي من المعلومة قبل تروحين. يجيبون جوازهم وبطاقة الأحوال (وأعتقد الان يكفي بطاقة الاحوال تبعهم) وتقدرين تطلعينها بدون إذن أو موافقة احد من أهلك.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s