«مالك ومال السيسي؟»


نشرت «الحياة» في العدد الصادر يوم (السبت) ٢٤ آب (أغسطس) ٢٠١٣ خبراً بعنوان: إمام يتسبب في عراك مصلين بعد دعائه على «السيسي».. و«الشؤون الإسلامية» تحقق، جاء في نص الخبر: «تسبب إمام جامع الفردوس في حي النهضة (شرق الرياض) أمس، في نشوب عراك بين مصليين أحدهما «مصري الجنسية» والآخر «سعودي»، بعد أن دعا الإمام في خطبة الجمعة على وزير الدفاع المصري الفريق عبدالفتاح السيسي، بقوله: «اللهم اجتث بشار والسيسي». وقاطع المصلون المصريون الخطبة بصوت عالٍ، ليسألوا الخطيب بقولهم: «أنت مالك ومالنا؟».
يمكن مشاهدة الفيديو هنا مع إعتذاري الكبير لأهلنا المصريين

كيف فهم المصلون قصد أشقائنا المصريين مع أو ضد السيسي؟ لِمَ لا يكون ضد التدخل في ثورتهم حتى لو من القريب؟ خصوصاً من أفراد لا تتعدى تجربتهم السياسية توقيع المعاريض! لم أستوعب أن الفيديو المسجل للعراك بالأيدي كان في مسجد إلا عندما سمعت المؤذن يقيم الصلاة، ويكبر الإمام بعده تكبيرة الإحرام.

كيف تحولت مساجدنا إلى ساحة معارك سياسية حزبية وتمكن تنظيم ديني مقبل من خارج الحدود في بسط نفوذه على أفراد شعب آخر وتغييبهم، حتى أصبحوا ينافحون عنه بشراسة أكثر من أفراد الوطن الذين خرجوا منه؟ هل هي الإقصائية المقيتة التي تمارس ضد من يختلف عن فكرهم في أرض الوطن، وتمددت لتمارس قسراً ضد الآخر ممن يستضيفهم الوطن؟

ذكر الزميل ياسر الغسلان رأية في مقالته «عقال في فردوس الرياض» عن هذه الحادثة: «الكره الذي عبّر به ذلك الضارب «بعقاله» هو انعكاس وتعبير عن واقع البعض ممن افتتن باتباع مشايخ التطبيل والتبعية لمرشدٍ هو قائد سياسي في دولة ليست هي السعودية، وبالتالي، فالولاء لخطابه ونهجه هو اتباع زعيم دولة أجنبية، ومدخل لطرح ألف تساؤل، حول معاني الوطنية التي يؤمن بها ذلك المتحمس وأمثاله، من المغرر بهم بخطاب سياسي وشّح بعباءة دينية». ولا أزيد على ذلك!

لكن جملة إخواننا المصريين «مالك ومال السيسي؟» ظلت عالقة في ذاكرتي منذ قراءة هذا الخبر، لأنها كانت تراودني عن نفسي منذ أن اختفت برامج باسم يوسف وبني آدم شو وهاني رمزي وزلطة شو، كلها اختفت في نفس واحد مع سقوط حكم الإخوان، هل اختفت لأن أزمة مصر انتهت وعادت محروسة باقتصادها وسياحتها وثقلها السياسي؟ هل ما حدث استحمار للشعب كما ذكر شباب ٦ نيسان (أبريل)، حين نشروا على صفحتهم الرسمية في «فيسبوك»: «الاستحمار هو أن يتظاهروا لإسقاط الرئيس المنتخب من أجل كتابة دستور، يمنع إسقاط الرئيس المنتخب بالتظاهر»؟

شباب ٦ نيسان (أبريل) أنفسهم الذين عادوا إلى المناداة بالخروج للشارع في ٣٠ آب (أغسطس)، لإسقاط حكم العسكر بعد الإفراج عن المخلوع حسني مبارك في ظل التحفظ على المخلوع الآخر محمد مرسي ووضعه تحت الإقامة الجبرية.

باختصار، الإخوان لو ظلوا في الميادين بقية حياتهم لن يغيّروا شيئاً، والحركات الثورية لوحدها لن تغيّر شيئاً، وسنكبر أربعاً لصلاة الجنازة على ثورة ٢٥ كانون الثاني (يناير).

باختصار أكثر، الثورة لن تقوم على سواعد متفرقة بل سواعد متحدة، تقدم الولاء والحب للوطن، والعيش بكرامة على الولاء والحب لحزب بعينه والعيش بتشرذم.

الحلّ في نبذ الاختلافات والتركيز على الهدف المشترك، العودة إلى مربع (يسقط يسقط حكم العسكر) لا حفرة (إنزل يا سيسي).

تذكرة:

«في بلادنا الكراهية تجمع، والحب يفرق، وانظر إلى الملايين الذين تجمعوا على كراهية مبارك، ثم تفرقوا أحزاباً أمام حب الوطن». جلال عامر.

نشرته الحياة

Advertisements

في حب مصر


ذاكرة مصر: كم نحب جيشنا، كم نحب المجلس العسكري

هذه المقالة ليست محاولة لتحليل الأحداث المتلاحقة في مصر المحروسة، فالسياسة لا ناقة لي فيها ولا جمل، إنما هي محاولة لتسجيل ما يختلج في صدري كمتفرجة على أحداث ستغير تاريخ جيلي للأبد، هي محاولة لحفظ هذه المشاعر في ذاكرة الأوراق التي لن تعاني من الفقدان كذاكرة العرب، الذاكرة التي سخر منها رسام الكاريكاتير البرازيلي «كارلوس لاتوف» وشبهها بذاكرة سمكة، بعد أن هتفت الحشود في ميادين مصر بعد عزل مرسي « إنزل ياسيسي»، وكانت قبل فترة قريبة جداً تهتف «يسقط يسقط حكم العسكر».

في أحد المؤتمرات سألني مراسل مجلة «نيوزويك» الأميركية إن كنت أعتقد أن الديموقراطية ستأتي بالمتعصبين لسُدة الحكم في دول الربيع العربي، كنت أعرف لحظتها أن سؤاله ليس بريئاً ولا ليعرف رأيّي الحقيقي، فالسياسة الأميركية الخارجية ترى أن شعوب العالم الثالث غير ناضجة سياسياً لتفهم معنى كلمة ديموقراطية، وستتسبب في الفوضى إذا ما أعطيت الفرصة لتختار من يحكمها، لذلك يجب أن تتحكم «ماما أميركا» في اختيارات الشعوب «غير الناضجة» لتتأكد أنها ستُحكم بالحديد والنار، فهي لا تفهم غير القوة لغةً! ولأن «ماما أميركا» حريصة على مصالح الشعوب لا مصالحها لا سمح الله.

ذكرت له رأيّي الذي لم يتوافق مع ما يريد سماعه: «لتأتِ الديموقراطية بمن اختاره الشعب حتى لو كان متعصباً، فالأدوات نفسها التي أجلسته على الكرسي ستعزله منه إذا هو أساء استخدام السلطة، ستخطئ الشعوب وستتخذ خيارات تندم عليها لاحقاً، لكن أليست هذه ضريبة السنوات الأولى في صفوف الديموقراطية، ألا يحق للشعوب أن تأخذ فرصتها وتعيد الاختبار وتتعلم من الأخطاء حتى تفهم الدرس؟».

مظاهرات ٣٠ حزيران (يونيو) عزلت رئيس دولة منتخب بطريقة «شرعية» – كررها مرسي في خطابه الأخير 57 مرة! مهما حاول الثوار تفسير ما حدث والتأكيد أنه استجابة لمطالب الشعب حين خرج بالملايين مطالباً بتنحي الرئيس، وأنه ليس انقلاباً عسكرياً أجد أنه من العسير عليّ تفهم ما حدث! من المفزع حقاً أن يصبح مرسي بين عشية وضحاها من رئيس دولة لملاحق قضائياً، ويتم إخراس جميع قنوات حركة الإخوان بدعوى منع التحريض وتطال الاعتقالات قياديهم بدعوى «تهدئة الوضع»! ومن المفزع أيضاً أن نسمع الشماتة والشتيمة من جانب والتهديد والوعيد من الجانب الآخر! ما حدث جعل حتى من غير مؤيدي الإخوان متعاطفين معهم وقسم الشارع المصري لحزبين، ذكرني بمقولة الكاتب الساخر جلال عامر: «فى بلادنا الكراهية تجمع والحب يفرق، وانظر إلى الملايين الذين تجمعوا على كراهية مبارك ثم تفرقوا أحزاباً أمام حب الوطن».

هناك نكتة يتبادلها المصريون: «خلال 60 عاماً فشل عبدالناصر والسادات ومبارك في تدمير الإخوان، ونجح مرسي في ذلك خلال عام واحد»، لكن الإخوان وإن كان لهم أخطاء أججت جزءاً من الشعب ضدهم كان لابد من الاعتراف بأن هناك جزءاً آخر مؤيداً لهم، وإن كان لابد من تنحيتهم لماذا لم تستخدم أدوات الديموقراطية نفسها التي أوصلتهم للسلطة؟ بدلاً من «خذوهم بالصوت تغلبوهم»!… الديموقراطية ليست ثوباً نلبسه ونخلعه متى أردنا، هي زواج مقدس بعقد وبشروط محددة مسبقاً، وإذا لم يستوف أحد الأطراف هذه الشروط أو خالفها على الآخر المطالبة بالانفصال بالطرق التي وافق عليها الطرفان حين وقعا هذا العقد! هذا ما أؤمن به الآن أو أتمناه في قرارة قلبي بعد أن طاردني وجه مراسل مجلة «نيوزويك» في الأيام الماضية ماداً لسانه: «ألم أقل لكِ؟».

وقفة:

«أتمنى أن يصل الدين إلى أهل السياسة، ولا يصـل أهل الدين إلى السياسة»… الشيخ الشعراوي.

نشرته الحياة اللندنية

١٠ يوليو ٢٠١٣

خطاب منتدى الحريات سان فرانسيسكو – عربي


الجمعة ٢٨ سبتمبر ٢٠١٢

صباح الخير، اسمي منال الشريف، أتيت من مملكة الرجال السعودية …

إنه لشرف كبير وغير متوقع تماماً أن أكون هنا، بينكم جميعاً، وبحضور الكثير من الأشخاص الذين أنظر لهم بإعجاب و لطالما وجدتهم مثل أعلا. داو أونغ سان سو تشي، يانغ جيانلي، مارينا نعمت، جميعكم قدوة بالنسبة لي. أنتم اثبات حقيقي أن الكفاح يستحق ذلك، وأنه يستلزم العزم والصبر لزحزحة الجبال التي تعوق طريقنا نحو الحرية الحقيقية والإزدهار. لو قال لي أحدهم قبل عام مضى أنني سأقف هذا الموقف اليوم لما صدقته، كنت حينها مجرد أم عزباءة تعمل في مجال أمن المعلومات لتعول أسرتها. وعلى الرغم من كوني اليوم لا أعمل لكنني أكثر سعادة ومعرفة بغايتي أكثر من أي وقت مضى.

تعلمت في العام الماضي مالم أتعلمه خلال ثلاثين عاماً من حياتي، ومن أهم ماتعلمت أن التحدث علنا عن وضع قائم ومسلم به لهو في الواقع من أصعب ماستقوم به في حياتك. في حالتي، كان الوضع الراهن هو تحدي الحظر القائم على قيادة النساء للسيارة في وطني. من في الخارج لن يستوعبوا الموضوع وقلة سيتفهمون عمق المشكلة، لأنها لا تمثل مشكلة أساساً في بقية العالم. ولكن في المملكة العربية السعودية، قيادة المرأة تتجاوز المسألة الدنيوية للإمساك بعجلة القيادة، إنها تشمل العواقب السياسية والاجتماعية والإقتصادية الناتجة عن رفع مثل هذا الحظر.

إن ما يعنيه رفع حظر التنقل للمرأة عند المؤسسة الدينية هو مايجعلهم متشددين في ابقاءه. كما أن الأموال التي تتدفق من استقدام أكثر من مليون سائق أجنبي من جنوب شرق آسيا لهي فرصة لتحقيق أرباح من الصعب التخلي عنها. والأهم من ذلك، دعوات التغيير من الشعب غير مرحب بها بتاتاً في ظل ملكية مطلقة تتطلب الولاء من مواطنيها كونها الحامي لمعتقدهم وخيراتهم.

ولعل ذلك يفسر درة الفعل العنيفة التي حصلت لي عندما رفعت فيديو على موقع اليوتيوب أتحدث فيه – أثناء قيادتي للسيارة- عن رفع الحظر واقتراح يوم ١٧ يونيو كيوم للبدء في تعويد بلادنا على رؤية نساء في مقعد قائد السيارة. كنت تحت انطباع خاطيء أن المجتمع السعودي بدأ بالإنفتاح تجاه هذا الموضوع وأن الحكومة تسعى أيضاً نحو اعطاء المزيد من الفرص للمرأة. لكن أعتقد أنني أخطأت في حساباتي، فعقاباً على (جريمتي) تم سجني لتسعة أيام، وقامت قيامة البلاد كلها بين مؤيد ومعارض. وخرج الكثير من أئمة المساجد في خطبة الجمعة لشجبي، حيث أطلقوا علي الألقاب من خائنة، ورجز من عمل الشيطان، ومتآمرة، حتى أن أحدهم تجاوز كل الحدود بدعوته لجلدي في مكان عام.

إن أولئك الذين رأوا المصلحة في سجني، فعلوا خيراً كبيراً بدون قصد لضمان نجاح مبادرة ١٧ يونيو، حيث خرجت عشرات النساء في ذلك اليوم للقيادة في الشوارع وتوثيق ذلك بالتصوير والرفع على موقع اليوتيوب. تلك النسوة لم يسبق لي أن ألتقيتهن، ولم يسمعن من قبل عني قبل سجني. خرجن للمشاركة في مبادرة ١٧ يونيو وخاطرن بأن يزج بهن في السجن، يسعدني أن أقول أن العقل انتصر ولم تسجن أي امرأة يومها، ومع ذلك حصلنا على أول مخالفة مرورية تحرر لامرأة في تاريخ السعودية.

لزملائي التقنيين، قبل سنوات قليلة لم أكن لأتمكن من الوصول إلى – أو حتى الاساءة إلى- هذا العدد الكبير من رجال بلدي ونسائه. في ظل ملكية مطلقة يتم اعتقال الناس بدون تهمة وأحياناً لسنوات ، إذا انشأوا منظمة غير حكومية، أو خرجوا للإحتجاج في الشارع أو حتى نشر مقال يشكك في الحكومة، لم تكن هناك منصات للمواطنين العاديين للتعبير عن آرائهم من خلالها. لم يكن ذلك ممكنا حتى جاءت وسائل التواصل الاجتماعي، ما يستخدمه العالم للحصول على المعلومات أو الترفيه والبقاء على اتصال مع العائلة والأصدقاء، أصبح في السعودية صندوق للديموقراطية، منبرنا العنيد، ونعم وسيلة للتنفيس ودرع للحماية.

وقد لعبت وسائل التواصل الإجتماعي دوراً محورياً في ضمان نمو مبادرة ١٧ يونيو إلى حملة كاملة، لا تشمل فقط رفع الحظر عن قيادة النساء، بل أكثر بكثير من ذلك. ومن خلال وسائل التواصل الإجتماعي ولدت حملة “حقي كرامتي” ذات القاعدة الشعبية الكبيرة، وازداد عدد أعضاءها ليشمل الآلاف من الرجال والنساء في جميع أنحاء البلاد. الطريقة الوحيدة التي تتواصل فيها الحملة مع أعضاءها من خلال وسائل التواصل الإجتماعي. وحيث أن الصحافة المحلية لن تغطي مطالبنا، فإننا نرسل أخبارنا والعرائض والبيانات، من خلال تويتر. لم نكن لنقطع شوطا بعيدا دون تويتر.

يسمي البعض حركتنا “ربيع المرأة السعودية”، ولكن دعونا نكون جادين، مازلنا خلف نقطة البداية لتلك الثورات حيث ٥٠٪ من الشعب مازلن لم يحصلن على الحقوق الأساسية التي يراها الآخرين من الأمور المسلم بها في طريق كفاحهم نحو ديموقراطية حقيقية.

ومع ذلك، فإنه يسعدني أن أخبركم عن بعض التغييرات الإيجابية التي حصلت في العام الماضي:

  • على الرغم من أن التربية البدنية مازالت لا تشكل جزءاً من المنهج الدراسي في المدارس الحكومية للبنات، والوصول إلى المرافق الرياضية أمر نادر الحدوث بالنسبة للمرأة السعودية، لكنني سعيدة أننا أخيراً، كما يحتمل أنكم جميعاً سمعتم، قمنا بإنجاز تاريخي بفتح الباب أمام تواجد المرأة السعودية للمنافسة في دورة الألعاب الأولمبية في لندن هذا العام.

  • في يونيو من عام ٢٠١١، أصدر الملك عبدالله مرسوماً ملكياً يسمح للنساء بالعمل في أماكن البيع بالتجزئة وشغل وظائف كبائعات أو محاسبات. ورغم أن المواصلات وقوانين الوصاية تظل عقبة في طريق تمكين المرأة، إلا أن المرسوم وفر لما يقارب أربعين ألف امرأة وسيلة لإعالة أنفسهن وأسرهن.
  • في سبتمبر ٢٠١١، أصدر الملك عبدالله مرسوماً تاريخياً ينص على منح النساء حق التصويت والترشح في المجالس البلدية في الإنتخابات البلدية المقبلة، وحق العضوية الكاملة في مجلس الشورى. وإن كان لا يمكن إنكار أنه يظل يزعج معظم السعوديين أن يتم تعيين أعضاء مجلس الشورى من قبل الملك بدلاً من التصويت عليهم من قبل الشعب.
  • بحلول عام ٢٠١٢ وصل أعداد المبتعثين للدراسة في الخارج أكثر من ١٣١ ألف،، مايقارب نصفهم طالبات. وعلى الرغم من أن الكثير منهن يدرسن تخصصات لمهن غير مرخص لهن بمزاولتها في السعودية، كمهنة المحاماة. آمل أنه وبحلول الوقت الذي ينهين فيه دراستهن ويعدن من الخارج، ستتم إزالة هذه العقبة وتتمكن الأمة من الاستفادة الكاملة من استثمارها.

ماوراء حدود السعودية، تلقينا جميع أنواع التضامن التي آمل أن تنظر لها السلطات السعودية كتشجيع وليس كتحدي، من بين أمور كثيرة أود ذكر أمرين اثنين:

  • كان شرف عظيم حصولي على جائزة فاسلاف هافل في أوسلو سابقاً هذا العام.

  • كما حرك مشاعري الكثير من أعمال الفنانين الذي أعلنوا عن تضامنهم معنا بأعمالهم الفنية وأذكر منهم مغنية البوب البريطانية (ميا) وأغنيتها (الفتيات المتمردات) – حصلت هذه الأغنية على ما يزيد من ٢٦ مليون مشاهدة منذ عرضها على موقع اليوتيوب.

كما قلت سابقاً، في هذه الملكية المطلقة اليافعة التي لم تبلغ من العمر ٨٠ عاماً فقط، هناك مجال بسيط جداً للمواطنين العاديين للتعبير عن ما يقلقهم أو الحصول على منصة يتحدثون منها. لا يوجد ممثلين للشعب بسلطة تشريعية أو تنفيذية، وجرت العادة أن يفرض التغيير إما من الأعلى إلى الأسفل أو من خلال المؤسسات الدينية والقبلية التي يتم استبعاد النساء تماماً منها.

إن وسائل التواصل الإجتماعي، وخطابات كالخطاب الذي ألقيه الآن، هي الأدوات الرئيسية التي تتوفر للنساء السعوديات اللاتي يرغبن في انهاء التمييز ضدهن، ليبنين وطناً يعامل كل مواطن، بصرف النظر عن جنسه، بكرامة واحترام.

أعمل مع حملة (حقي كرامتي) نحو سعودية لا تحتاج فيها المرأة الراشدة إلى إذن ابنها للسفر، ولا تحتاج فيها النساء لإذن ولي أمر عنفها لتخرج من دار الحماية التي هربت منه إليها، سعودية تتمكن فيها المرأة من الحصول على وسيلة لإعالة نفسها، سعودية تحتفظ بها البنت بحق طفولتها. كل ما نريده مملكة عربية سعودية تحترم إنسانية المرأة.

لقد قيل لي في السابق: (إنه الوقت الغير مناسب، إذا كنت تحبين وطنك فعليك الانتظار)

وأود أن أجيب عليهم:

لأنني فخورة بكوني امرأة سعودية، ولأني أحب وطني، لن انتظر. إن حقوق المرأة ليست مصلحة خاصة ولا مكسب. حقوق المرأة أو غيابها يؤثر على المجتمع بأكمله. إن المجتمعات التي تبقي المرأة في المقعد الخلفي، ستبقى دوماً في الجانب الخطأ من التاريخ.

إلا رسول الله… يا مسلمين


الغضبة العارمة التي اجتاحت العالم الإسلامي، وبدأت شرارتها في مصر، حين نادى الإخوان المسلمون لمظاهرات تستنكر فيلم «براءة المسلمين»، أو Innocence of Muslims، الذي أساء لمقام النبوة، وتم تصويره في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وكان أحد أخطر تداعيات هذه الغضبة مقتل السفير الأميركي وثلاثة أميركيين آخرين من العاملين في السفارة الأميركية ببنغازي بليبيا، إذ لم يسبق مقتل سفير أميركي إلا في عام ١٩٧٩ في إيران، جاءت هذه الغضبة متزامنة مع الذكرى الـ11 لهجمات 11 أيلول (سبتمبر) على برجي التجارة العالمية في نيويورك، ومبنى البنتاغون في العاصمة الأميركية واشنطون، التي كان المتهمون الأساسيون فيها مسلمين.

المظاهرات التي نقلتها لنا القنوات الإخبارية من مصر وليبيا واليمن والسودان وأندونيسيا وغيرها من الدول الإسلامية، التي من المفترض أنها خرجت لتدافع عن نبي الرحمة، كانت عنيفة، تم فيها استخدام الزجاجات الحارقة، وعبارات السباب والشتيمة واللعن، وتمزيق الأعلام الأميركية، والتحرش بالمراسلين الأجانب، وكله في سبيل الدفاع عن نبي قال عمن آذوه ورموه بتهم السحر والجنون، وكادوا يقتلونه: «اللهم أغفر لقومي فإنهم لا يعلمون».

تقصيت عن الفيلم المزعوم الذي أقام الدنيا، لم أجد غير فيديو واحد من ١٣ دقيقة على موقع «يوتيوب»، عبارة عن مقاطع قصيرة وغير مترابطة لممثلين مغمورين، وملابس وديكور رخيص، وخلفيات مركبة بشكل بدائي جداً، وصوت بالكاد تسمعه، ما لفت انتباهي أن الصوت يتم تركيبه في لقطات محددة من الفيديو، وهي الكلمات التي تشير لمحمد، عائشة، خديجة، عمر، القرآن أو المسلمين. وعند التنبيش أكثر عن الفيلم المزعوم، لا تجد أي وجود له في قائمة الأفلام الأميركية، ولا حتى في قائمة الأفلام المستقلة، إذ ذكرت الإشاعة التي نشرها المسلمون أنه تم تصويره بتمويل من رجل أعمال إسرائيلي، وكلف إنتاجه خمسة ملايين دولار، مع أن من يشاهد الفيديو يجزم أنه لم يكلف حتى ٥٠٠ دولار.

المفاجأة جاءت من قناة «سي إن إن» الإخبارية، حين نشرت تفاصيل جديدة عن الفيلم، تبين أن الفيلم لا وجود له من الأساس، وما تم نشره على موقع «يوتيوب» ما هو إلا خدعة كبيرة تعرض لها الجميع، جاءت التفاصيل على لسان إحدى الممثلات اللاتي ظهرن في الفيلم، ففي عام ٢٠١١ قرأت الممثلة إعلاناً يطلب ممثلين لأداء دور في فيلم «محارب من الصحراء»، كان يدور في إطار تاريخي عن مصر قبل 2000 عام، ولم يكن له أي علاقة بالدين، «السكريبت» الذي شاركته الممثلة مع القناة لم يشر لأي شيء عن محمد، إذ كان اسمه في «السكريبت» جورج، وخديجة كان اسمها هيلاري. عرضت «سي إن إن» مع المقابلة بياناً موقعاً من ٨٠ شخصاً شاركوا في صناعة الفيلم، جاء في البيان: «يعلن طاقم الفريق عن استيائهم الشديد، وعن أنه تم استغلالهم من منتج الفيلم، إذ تم تضليلهم بشكل صارخ، وتم تغيير كتابة السيناريو بشكل جذري عند العرض، إننا نشعر بحزن عميق من المآسي التي حدثت بسبب هذا الفيلم».

ثم نشرت صحيفة «ديلي ميل» البريطانية أن أول ظهور للفيديو كان على موقع «موريس صادق» المحامي القبطي شديد العداء للإسلام، الذي غادر مصر منذ 1969، إذ لم يعره أحد أي اهتمام، لكن أحدهم وجد الفيديو وقام بترجمته ونشره، وانتشر بعدها انتشار النار في الهشيم.

باختصار: المسلمون وقعوا ضحية لكذبة، أبطالها مجهولون، جعلتهم يرتكبون المزيد من أعمال الشغب والعنف باسم محبة الرسول والدفاع عن الإسلام، والسؤال الأهم هنا، هل لو كان الرسول بيننا سيرضى أن ندافع عنه هكذا؟ هل نُظهر حبنا لنبينا بمزيد من التنفير من رسالته التي جاءت بنبذ العنف والدعوة للحوار والتعامل باللين مع أنكى الأعداء!

نعم… إلا رسول الله.. لكن هذه المرة لكم يا مسلمين!!

نشرته صحيفة الحياة اللندنية

الأربعاء ١٩ سبتمبر ٢٠١٢

مروة وعلاء.. شهيدة وثائر


قرية صغيرة، تقبع هادئة بين يدي الجبال الخضراء في ريف سورية، بيوت جميلة متناثرة بين الأشجار والطرقات، تتنافس مع بعضها البعض لتحظى بمتعة السير إلى جانب النهر المزين بقوارب الصيادين، تتعانق ضفتا النهر بجسر حجري قديم، ترنو حجارته من الماء بخجل طامعةً أن تصافح قطراته اللؤلؤية، وعلى الجانب الآخر من النهر يطل مسجد القرية بإجلال رافعاً مئذنته نحو السماء، وهالة من الضياء تلف المكان، أهل القرية بسطاء، يدلي أحدهم بصنارته في النهر منتظراً رزق عياله، عجوز تحادث جارتها في الطريق من شرفة منزلها، امرأة تمشي مع ابنتها الصغيرة، يمر بجانبها رجل يحمل أرغفة الخبز الساخنة عشاءً لصغاره، ويشق الهدوء ضحكات أطفال تجمعوا عند شاطئ النهر للعب الكرة، وغير بعيد عنهم وقفت «مروة» ذات التسع سنوات تتطلع بعينين جذلتين لأخيها «علاء الدين» الذي يصغرها بعامين وتلوح له كلما أحرز فريقه هدفاً، نادته مروة أخيراً: «علاء، لنذهب الآن فأمي بانتظارنا مع العشاء».

في المنزل تستقبلهما أمهما بابتسامة شوق، وصدر حوى الدنيا، تجري مروة نحو ذراعي أمها لتتلقفها بذراعين مفتوحتين، وتطبع الأم قبلة حانية على وجنة مروة: «أمي كم أحبك»، «يا صغيرتي الحلوة!» هكذا ترد الأم كلما قالت لها مروة إنها تحبها، يزاحم علاء مروة على حضن أمهما: «علاء كم تغار من أختك، قلبي مقسوم نصفين، نصف لمروة والنصف الآخر لك»، فيضحك علاء. كانت السعادة الفرد الرابع في منزلهما، فبعد وفاة الأب أرادت الأم أن تكون كل شيء لهما، وشاء الله أن تثور سورية ضد الظلم، وتطال نيران الحرب المستعرة قريتهم الآمنة، حاصر جيش النظام السوري القرية المسالمة لشهور طويلة روع فيها الآمنين، لكن أهلها، رجالاً ونساءً، استماتوا في الدفاع عنها، حتى الأطفال تعلموا معنى الثورة وأبجديات الحرية والكرامة. كان القصف الأْعمى يصيب من يصيب ويقتل من يقتل، ويهدم البيوت، ويحرق الأشجار، ويغتال براءة الأطفال، حتى مسجد القرية غيب مئذنته القصف. وطال الحصار، بلا غذاء أو ماء أو دواء، قريتهم صارت سجناً كبيراً والعالم حولهم في شجب واستنكار لا يتجاوز الحناجر.

ذات ليلة بلا أقمار قتلت مروة… قتلتها رصاصة قناص أصابت عينها اليمنى، وأصبح فؤاد أمها فارغاً، وتضع الحرب أوزارها بانتصار ثورة المستضعفين. لكن الحزن أصبح الفرد المقيم في الأسرة، ذبلت زهرة الأم كلما تذكرت أصداء ضحكات ابنتها تملأ البيت. تذكرت الضجيج والصخب الذي تحدثه مروة عندما تلعب مع علاء، ولطالما نبهتهما ليحافظا على الهدوء، والآن تشتاق لما كانت تجده إزعاجاً، وتظل الأم تناجي مروة في عالمها الغيبي علها تسمعها يوماً: «مروة، يا صغيرتي الحلوة، عودي لأمك التي تشتاق إليك، أرحمي حالها»، أما علاء الذي خرج بسنينه السبع في كل مظاهرة ليصرخ في وجه الظلم، لم يعد يزاحم مروة كلما غاص برأسه في صدر أمه، لكنه يشتاق لها كثيراً فتنساب دموعه وتختلط بالأحزان التي تسكن صدر أمه… كم مرة خال له صوت أمه بعد أن يهجع الأنام تردد مناجاة ابنتها: «صغيرتي الحلوة، تأكدي أن فراقنا لن يطول».

 نشرته صحيفة الحياة

عيون وآذان (لا كرامة لمفكر عربي في وطنه)


جهاد الخازن
بعد قوائم أهم الشخصيات العالمية، وأهم النساء، وأهم المخترعين والكتّاب والطهاة، وقعت على قائمة بأهم مئة مفكر، بدءاً بأهم عرب برزوا في الثورات الحالية، وجدتها تستحق العرض على القراء لأنها صادرة عن مجلة «فورين بوليسي»، أو سياسة خارجية، وهي معتدلة وذات سمعة طيبة لما تنشر من مقالات راقية.

المركز الأول هو في الواقع المراكز التسعة الأولى، موزعة بين فائز واحد أو اثنين، وهي لرجال ونساء لعبوا دوراً في الثورات العربية وأولهم حسب النشر الروائي المصري علاء الأسواني مؤلف «عمارة يعقوبيان»، واختياره يعود إلى دوره في حركة كفاية ونشاطه التالي في ميدان التحرير ضد نظام مبارك.

ومعه وبـعده مباشـرة من المشاركين في المركز الأول الـدكتور مـحمد البرادعي ووائل غنيم، والاخـتيار يعود أيضاً إلى معارضة نظام مبارك، ودور كل مـنهما في الثـورة، البرادعي كفائز بجائزة نوبل للسلام وشخصية عالمية، وغنيم كقـيـادي شـاب مـن وجوه الميديا الجديدة.

بعد ذلك هناك علي فرزات ورزان زيتوني، وهو رسام الكاريكاتور الذي كسرت المخابرات السورية يديه بعد رسم له يُظهر بشار الأسد وهو يحاول أن يركب سيارة معمر القذافي ليفرّ معه، وهي لنشاطها في حركة حقوق الإنسان السورية منذ 2001، وفوزها بجائزة عالمية للنساء الناشطات في الحروب.

ونبقى مع المركز الأول الذي يقتسمه أيضاً راشد الغنوشي، زعيم حزب النهضة الذي اختير قبل أن يفوز حزبه بالانتخابات التونسية، وخيرت الشاطر، رجل المال والأعمال الأول للإخوان المسلمين في مصر الذي قضى سنوات في سجون مبارك، وقد حاول جاهداً باستمرار طمأنة الناس إزاء سياسة الإخوان ومواقفهم.

ثم هناك توكل كرمان، تلك المعارضة اليمنية الشابة التي فازت بجائزة نوبل للسلام هذه السنة مع امرأتين أخريين.

الخيار التالي للمركز الأول كان وضاح خنفر، مدير قناة «الجزيرة»، غير أن استقالته تعني أنه خرج من دائرة القيادة الفكرية، والمجلة تثمّن نشاط «الجزيرة» ضد الاحتلال الأميركي في العراق، وتغطيتها ثورة الشباب في ميدان التحرير.

وتأتي بعد ذلك منال الشريف وإيمان النجفان، والأولى لدورها في الحملة ليُسمح للنساء السعوديات بقيادة السيارات وجرأتها في تخطي حظر غير مكتوب في القوانين، والثانية تقديراً لموقعها الإلكتروني بالإنكليزية عن أخبار المرأة السعودية الذي تعتبره المجلة مصدراً مهماً للمعلومات عنهن.

ثم هناك فتحي تربيل، الليبي النشط في مجال حقوق الإنسان الذي تحدى نظام القذافي حتى سقط وكشف تفاصيل مجزرة 1200 سجين في سجن أبو سليم.

بعد العرب الإثني عشر السابقين من رجال ونساء تختتم المجموعة بمؤلفَيْن من غير العرب هما الأميركيان سرديا بوبوفيتش وجين شارب لأنهما نشطا في جماعات تدعو إلى تغيير الأنظمة سلمياً، وألفا كتباً تشرح كيف يمكن تحقيق ذلك.

أربعة عشر رجلاً وامرأة اقتسموا المراكز التسعة الأولى، لأن المجلة ضمت أحياناً اسمين في مركز واحد لتشابه نشاطهما. والكل فاز لأن المركز الأول كان من نصيب «الثورويين» العرب.

رغم العنوان «أهم مئة مفكر» فالخيارات تضم أكثر من 130 رجلاً وامرأة في تقديري لأن بعض الأسماء جُمِعَ تحت مرتبة واحدة، والمرتبة العاشرة مثلاً بعد المشاركين الذين احتلوا المراكز التسعة الأولى شغلها بن برنانكه وجان كلود تريشيه وجو زياشوان، أي أميركي وفرنسي/أوروبي وصيني لدور كل منهم في التصدي للأزمة المالية العالمية.

وضاق المجال، وأنا أختصر في عجالة صحافية قائمة شغلت 122 صفحة مع مقالات عنها، وأقول إنني وجدت باراك أوباما في المركز الحادي عشر، وبعده ديك تشيني وكوندوليزا رايس (12) وأعتبرهما من مجرمي الحرب على العراق، ورجب طيب أردوغان وأحمد داود أوغلو (16)، وبيل وهيلاري كلينتون (20) وبعدهما نيكولا ساركوزي، ومحمود عباس وسلام فياض (28).

كانت هناك أسماء مثيرة أخرى لناس أعتبرهم مجرمي حرب أو محرضين عليها، غير أن الخيارات العربية كانت شهادة غربية موضوعية في رجالنا ونسائنا، فالقاعدة هي أن لا كرامة لمفكر عربي في وطنه.

khazen@alhayat.com