مذكرات منقبة سابقاً


ماهو الشيء الذي تلبسه المرأة المسلمة طوال حياتها،  وتلبسه المرأة الغربية يوم زفافها، ينظر له الغرب أنه قمع للمرأة، وينظر له الشرق أنه حفظ للمرأة؟ هو أكثر قطعة ملابس أثارت جدلاً على مر التاريخ، لدرجة أن منعتها حكومات وفرضتها أخرى؟ نعم، إنه الحجاب بأي شكل كان، من أكثره تشدداً متمثلاً في (النقاب والبرقع) حتى أكثره انفتاحاً متمثلاً في الملابس المحتشمة للنساء بدون غطاء الرأس. هذا المقال ليس محاولة لشرح تاريخ الحجاب وعرض للمجموعات الدينية التي مازالت تفرض شكلاً معينا للباس على نساءها، من يهودية ومسلمة وحتى بعض الطوائف المسيحية الأرثودوكسية. هو فقط عرض بسيط لتطور الحجاب في وطني السعودية، البلد الثاني (بعد ايران) الذي يفرض بقوة عصا (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) شكلاً ولوناً معيناً للحجاب على جميع النساء، سعوديات وغير سعوديات، مسلمات وغير مسلمات. وعندما أذكر (عصا الهيئة) فأنا أعني أنه فعلاً لا يوجد قانون سعودي مكتوب يحدد هيئة ولون الحجاب.

 

السعودية بسبب اتساع مساحتها تحتوي على تنوع كبير من الثقافات واللهجات والمذاهب الإسلامية لكل منطقة من مناطقها. حتى السبعينات الميلادية لم يكن هناك فرض لشكل معين لملابس النساء، تجد النساء البدويات بملابسهن الزاهية وبراقعهن التي تظهر مقدمة شعر الرأس والعيون المكحلة، ونساء المدينة بعباءة (اللف) التي يلففنها حول الخصر، والنساء العربيات بحجابهن الملون، والنساء غير المسلمات بملابس محتشمة لكن بدون حجاب. أذكر النساء في قرية أبي (الطرفاء) الواقعة شمال  غرب مدينة مكة بملابسهن الزاهية وشراشفهن الوردية والبيضاء التي يلففنها حول الوجه، بدون تغطيته، مظهرات مقدمة شعر الرأس. حتى ضربت موجة التشدد الديني مجتمعنا، ودعمتها مؤسسات الدولة، فتم فرض عباءة الرأس السوداء وغطاء الوجه على جميع موظفات الحكومة، وجميع المدراس والجامعات. وفرض الحجاب الأسود على غير السعوديات بغض النظر عن دينهن ومذهبهن. في تلك الفترة كان من المستحيل في مسقط رأسي (مكة) أن ترى أي امرأة سعودية غير منقبة، كان كشف الوجه من التابوهات الإجتماعية والمحرمات الدينية. حتى أن مطويات الوعظ الديني التي انتشرت في تلك الفترة كانت تؤصِّل لفكرة أن غطاء الوجه هو ما يفرق المسلمة عن الكافرة. وقد وُجهت في فترة من حياتي عندما كنت منقبة بإتهام (الكفر) من طفلة في العاشرة من عمرها كانت تجلس بجانبي في الطائرة عندما رفعت نقابي لتناول وجبة الطعام.

 

تقول مقدمة احدى مطويات فترة الصحوة والتي تدعو للحجاب وتحذر من تركه:

“هدية للمرأة المسلمة

أختي المسلمة إنك اليوم تواجهين حرباً شعواء ماكرة، يشنها أعداء الإسلام بغرض الوصول إليك وإخراجك من حصنك الحصين، حتى قال بعضهم (علينا أن نكسب المرأة ففي أي يوم مدَّت إلينا يديها فُزنا بالحرام وتبدد جيش المنتصرين للدين) وقال آخر: (كأس وغانية تفعلان في تحطيم الأمة المحمدية أكثر مما يفعله ألف مدفع، فأغرقوها في حب المادة والشهوات). فكوني حذرة أختي المسلمة ولاتنخدعي بما يثيرونه من شبهات وشكوك وبما يرفعونه من شعارات. ومن المسائل التي يحاول أعداء الإسلام التشكيك فيها والقضاء عليها (مسألة الحجاب) حتى قال بعضهم: (لا تستقيم حالة الشرق مالم يُرفع الحجاب عن وجه المرأة ويغطى به القرآن)”

وتم تصدير نفس الفكر لخارج السعودية بدولارات النفط. أرجع بالذاكرة لأيام الحرب البوسنية عندما سيّرت السعودية قافلات إغاثة للمحاصرين في سراييفو كان المسؤولون على هذه القوافل يوزعون الحجاب على النساء مع كراتين الغذاء.

 

أصبح الحجاب الإسلامي في السعودية لا يصح إلا بغطاء الوجه والجسم بالكامل بالسواد، وعلى الرغم من أن النساء يبدين متطابقات تماماً لأي شخص من خارج السعودية، لكن السعوديين استطاعوا تطوير فراسة من نوع فريد جداً للتعرف على المرأة التي تقبع داخل ذلك السواد. كان أبي يعرفني من بين العشرات من الطالبات الواقفات خارج أسوار المدرسة أو الجامعة، ولم يخطئني يوماً مع فتاة أخرى، كما نتعرف على قريباتنا أو صديقاتنا إذا صادفنا إحداهن في السوق أو المسجد. تصبح لدينا حساسية كبيرة للصفات الأخرى كالصوت، طريقة لبس النقاب، العينين، المشية، وحتى نوع العباءة وحقيبة اليد والحذاء. ويجد الشباب طريقة للتعرف على سن الفتاة وقوامها من مشيتها فقط.

 

ثم جاءت فترة التسعينات الميلادية بقنواتها الفضائية وتلتها الألفية الثالثة بتطور وسائل التواصل من انترنت وهواتف نقالة، وتوفرت الخيارات أمامنا لقراءة الأقوال المغايرة للرأي الواحد الذي طالما تم تقديمه لنا على أنه وحده الذي يتبع منهاج النبوة ويمثل الإسلام الصحيح. وبدأ المجتمع المحافظ بطبعه بطرح التساؤلات والشكوك حول أمور تم فرضها كمُسلَّمات على الجميع بقوة الدين وبمباركة الدولة، وكان من أوائل هذه الأمور الحجاب بتفسيره الوهابي الضيق، لكن الأمر لم يكن بتلك السهولة. عندما قررت التوقف عن ارتداء النقاب في عام ٢٠٠٢، واجهت حرباً باردة مع عائلتي ومع المجتمع، إرتدت أمي النقاب في فترة الصحوة ومع ذلك لا ترتديه في سفرنا خارج السعودية، لكنها رفضت حقيقة أن ابنتها اختارت ألا ترتدي النقاب في السعودية والسبب كان اجتماعياً وليس دينياً (لن تتزوجي يا ابنتي إذا كشفتي وجهك). في مكة كانت النظرات المستهجنة تلاحقني إذا عرفوا في المكان أنني سعودية. كنت أؤدي الطواف في أحد الأيام، وكان المراقب الذي ينظم حركة الطائفين في صحن الحرم ينصحني بصوت عالي كلما مررت عليه وأنا أطوف (غطي وجهك يا مرة)، في المرة الثالثة نظرت إليه مباشرة وأشرت بأصابعي حولي (وكل هاتين المسلمات الطائفات وهن كاشفات هل هن عاصيات؟ أم كوني سعودية فقط؟)، توقف الشيخ عن نصحي في بقية الأشواط. وعلى الرغم أنني لا أرتدي النقاب في الشارع ومكان عملي، لكن كان علي استعارة نقاب صديقتي لدخول المحكمة، حيث لا يسمح للنساء بدخول المصالح الحكومية وخصوصاً المحاكم وهن كاشفات، وكان علي احضار معرفين ذكرين أحدهما أخي لتعريفي أمام القاضي على الرغم من وجود بطاقة الهوية معي.

 

قد يكون التغيير بكشف الوجه هو الأكبر الذي مر به المجتمع السعودي، لكن ذلك ليس التغيير الوحيد الذي تجرأت النساء على فعله مع الحجاب. بدأت مجموعة من فتيات (جدة) بفكرة ارتداء عباءات ذات ألوان مغايرة للون الأسود، فظهرت العباءات ذات الألوان الرمادية والكحلية والبني الغامق في جدة، وعندما ظهرت نفس الألوان في الرياض قامت الهيئة بشن حملة صادرت فيها العباءات الملونة من محلات العباءات، ولا أعرف كيف ستتعامل الهيئة مع العباءات زاهية الألوان إذا ظهرت. ولأجرب ذلك طلبت من المحل الذي أتعامل معه أن يفصل لي عباءة ملونة لكن صاحب المحل رفض بشدة: (إذا شوهدت عباءة ملونة في المحل سأتعرض للمسائلة والمضايقة من قبل رجال الهيئة)، لكن صديقاتي دللني على أحد المحلات التي تقبل تفصيل عباءات ملونة ويتم تسليمها للزبونة بالخفاء. التغيير الآخر كان في رمزية العباءة، فلم تعد مقتصرة على المعنى الديني أو الاجتماعي فقط، بل أصبحت العباءة تعامل كالأزياء تماماً، تظهر trends وتختفي كل فترة. وظهرت مصممات أزياء متخصصات في تصميم العباءات فقط ، يقمن عروض أزياء لعرض آخر التصاميم وتصل أسعار العباءات لعشرات الآلاف حسب شهرة المصممة ونوعية القماش والمواد المستخدمة في تطريز العباءة.  ظهرت أيضاً أنواع مختلفة للعباءات حسب كل مناسبة، عباءة للدوام تتميز بكونها عملية، وعباءة للسوق، وعباءة للمناسبات وتتميز بكونها مطرزة وفخمة، وحتى عباءات شتوية وصيفية.

 

وعلى الرغم من كل هذه التغييرات التي ذكرتها، تظل العباءة السوداء مفروضة بقوة الدولة. يقول المدافعون أن في ذلك حفظ للفضيلة وتأكيد على تطبيق الشريعة الإسلامية، لكنهم نسوا أن في فرض شكل معين من اللباس على فئة من الجتمع ماهو إلا سابقة لم تحدث في تاريخ الأمة الإسلامية، فلطالما كان شكل اللباس ولونه متروكاً للمجتمع الإسلامي مع البقاء على الحشمة بشكل عام. لذلك أجد فرض العباءة السوداء ماهو إلا تعطيل لسنة الحياة واعاقة للتطور الطبيعي الذي يحدث في طريقة وشكل اللباس التي طالما حدثت حسب حاجة الناس وتغير الظروف.

شفاه غليظة.. قصتي مع مقاييس الجمال أيام طفولتي


وقعت بين يدي مؤخراً عددا من الصور القليلة التي نجت من التقطيع أيام مراهقتي التي صادفت فترة الصحوة. لاحظت وأنا أقلبها عاملاً مشتركاً طريفاً.. كنت أبدو في كل صورة (زامة) شفتيّ وكأنني أكتم نَفَسي أو أمنع كلمات كنت على وشك قولها قبل أن أسمع (ثلاثة) التي تعلن وقت الضغط على زر التصوير. جلست أقلب الصور، ومعها ذكريات عشتها كمراهقة، أحبطتها مقاييس الجمال التي فرضها المجتمع حولها. فشفاه “ميرفت أمين” المنمنة كانت المقياس للشفاه الجميلة التي سقطت منه شفاهي الكبيرة التي ورثتها عن والديّ العزيزين. مقاييس الجمال في تلك الفترة من التسعينات كانت شيئا كالتالي: (بيضاء البشرة، الشعر ناعم وطويل، الشفاه منمنمة، الجسم ممتليء، الخ الخ). كنت العكس تماما (حنطية البشرة، شعر غجري، شفاه كبيرة، جسم نحيل، إلخ إلخ). كانت أمي تطلب مني أن أضم شفتيّ عند التصوير لأبدو أجمل! ولغبائي كنت أطيع.

هذه الطاعة استمرت فقط فترة مراهقتي، بعد تخرجي من المرحلة الثانوية ودخولي الجامعة أصبحت أتعمد التمرد على كل ما يقرره المجتمع حولي من مواصفات يعتمدها للجمال في نظره، ببساطة لأنني لن أمتلك يوماً شفاه ميرفت أمين ولا بشرة سعاد حسني، كان علي تعلم حب كل صفاتي الصحراوية بعيدا عن قوالبهم حتى لا أصاب بالإحباط. سأذكر قصة طريفة أخرى، كانت مباني جامعتي جامعة الملك عبدالعزيز بجدة متباعدة، وكنا نمشي فترات طويلة تحت الشمس لنلحق بالمحاضرات بين هذه المباني، ما يمنح البشرة سمرة تجدها الفتيات بشعة لأنها تخالف أول صفة في قائمة الجمال التي حفظنها، كنت أراهن يتبادلن النصائح حول الكريمات المبيضة، والكريمات الواقية من أشعة الشمس وحتى المظلات، وكن ابتسم في قلبي.

تدور الأعوام وتدور الأيام وبقدرة قادر أسمع صديقاتي يمتدحن سمرة بشرة الممثلة الفلانية وهل هي طبيعية من حمامات الشمس أم صناعية من كريمات التسمير. وكيف أصبحت شفاه أنجلينا جولي الكبيرة حلم النساء الذي يلاحقنه بحقن البوتكس، والشعر الغجري صار بجمال الشعر الناعم، والجسم الذي كان يُعتبر نحيلا أصبح مقياس الرشاقة الذي تروج له مجلات الموضة ومراكز ومنتجات الحمية.  كنت أسمع غير مصدقة، وفي قلبي شيء من الغضب، لأن كان علي سلوك الطريق الوعرة في تجاهل أنني لم أولد على مقاس القالب الجمالي الذي يرضاه مجتمعي.

إن مقاييس الجمال التي تعممها المجتمعات تكون في أحيان كثيرة متغيرة ومتأثرة بما يفتقدونه، فالسمراء أجمل في بلاد الشقر الماطرة والبيضاء أجمل في بلاد الصحراء المشمسة، لكن المقاييس مهما تغيرت وتبدلت فإن الصفات الجسمانية التي وهبنا الله إياها لن تتغير، وحتى محاولات تغييرها بالجراحات البلاستيكية مكلفة ومؤلمة وقد لا تنجح أحيانا، فنشوه أنفسنا بدلا من أن نجعلها تتوافق مع مقاييس تأتي ثم تذروها الرياح.

تعلمت بعد كل تلك السنين وبعد كل تلك الدموع أن أحب نفسي كما أنا، لا كما يوافق هوى الناس ومقاييسهم.. فأهوائهم متغيرة.. لكن سمرتي و جبهتي الواسعة وشفاهي الغليظة باقية..

٢٦ أكتوبر.. والكذبات الخمس


BXamd7uIAAAGmBk

في شهر واحد شاهدنا أول فيلم سعودي واقعي عشنا إثارته لحظة بلحظة اسمه (رُهاب المرأة)، ولو للمرأة اليوم أن تفخر عليها أن تفخر أنها كشفت بهذا التاريخ خمس كذبات عظيمات:

الكذبة الأولى: كذبة الذئاب البشرية، التي أشبهها بسعلوة جدتي التي كانت تخوفنا بها صغاراً حتى لا نخرج من البيت. فلا السعلوة أكلتنا ولا جدتي أقنعتنا.

الكذبة الثانية: كذبة مجتمع الفضيلة الذي يجب أن يمثل الإسلام بالنيابة عن العالم الإسلامي ولم يترك مسبة ولا قذف ولا اتهام لم يلصقه بمن طالبت بحق القيادة (طيب أتركوا لكم خط رجعة لما تجي بنتك بكرة تزاحمنا أو تزاحمينا يا معارضة في الشوارع) آخذاً بذلك إثمها، وإثم كل مسلمة تقود سيارتها في هذا العالم الرحب، خارج حدود مجتمع فضيلتهم.

الكذبة الثالثة: كذبة الأمن والأمان. إذا كانت امرأة خلف مقود سيارة ستزعزع أمن بلد كامل، راجع نفسك! أهو خوف على المرأة أم خوف منها؟

الكذبة الرابعة: الحكومة تقدمية والمجتمع متخلف أوغير جاهز، وبقية التصريحات البراقة التي تخرج للإعلام الخارجي، عن رغبة الحكومة في تمكين المرأة واعطائها حقوقها الكاملة، لكن المجتمع (وِحشين مو وجه نعمة).

الكذبة الخامسة: وهي أهم كذبة في رأيي كذبة القيادة شأن اجتماعي، بل هي شأن سياسي محض، يقرره السياسي. سقطت هذه الكذبة أخيراً بعد أن صدر بيان وزارة الداخلية الأخير وذلك بعد غموض ثلاث سنوات، وصدحت كل المنابر أمس في خطب الجمعة انصياعاً لهذا الأمر. وبالمناسبة شكراً بسبب هذا البيان الكل خرج للنور أخيراً! الآن الكل يلعب عالمكشوف لأول مرة.

الحقيقة الوحيدة وسط كل هذا الزيف أن قوة المرأة السعودية عاتية، قوية، كاسحة، هي لم تدرك قوتها بعد، لأنها مازالت تناضل في أرض المعركة. لم أشهد حركة حقوقية واحدة أو حملة واحدة تحدث كل هذا الضجيج وتصبح قضية رأي عام وتحرك المياه الراكدة وتجعل حتى الحجر ينطق أخيراً، بكل هذا الزخم والعنفوان والصدق. هزمتهم حتى أن الرؤوس دارت، ولفت.. هم الآن يدورون يفترون يكذبون زوراً وبهتاناً بعد أن أعيتهم الحيل.. يلصقون تهم التجمعات والتظاهرات، يخترعون استفتاءات يغيرون نتائجها بما توافق هواهم، ينشرون الإشاعات لترهيب المجتمع.. أي دين وأي فضيلة بربكم! الحق لا يحتاج لكل هذا الصراخ والزيف والكذب.. هذا اليوم كشف حتى المتلونين، من هم يوم معك ويوم ضدك، كل حسب مصلحته..

شكراً ٢٦ أكتوبر.. كم أسقطت من أقنعة..

علمونا صغاراً
أن الدين بفهمهم فقط
هو الدين الصحيح
وهو الذي كرم المرأة عن الجاهلية

ونكتشف كباراً
أن هناك ديناً
خارج حدود السعودية

وأن المرأة عندنا تعيش حياةً
لاترضى بها حتى نساء الجاهلية

آدم… لا تقرأ هذه المقالة


في العام ٢٠٠٢ في مبنى أرامكو المساعدية في مدينة جدة، وقَّع والدي أوراق الموافقة على التحاقي بالعمل في مكتب أرامكو الرئيس في الظهران الذي يبعد ١٤٠٠ كيلومترات عن منزل عائلتي في مكة. «موفقة يا بنتي، أرامكو فخر العمل معهم»، كانت تلك كلمات والدي الحانية التي تلت توقيعه للأوراق. استقبلتنا أمي في المنزل بالكثير من البهجة المغلفة بالقلق: «ستسكنين بعيدة عنا! ماذا سنقول للناس؟». على رغم قلق أمي كنت سعيدة جداً، وعندما بلغ الخبر بعض زميلات دُفعتي، وصلني اتصال من إحداهن: «متأكدة أنك ستعملين مع رجال؟ لن تتزوجي إذاً أبداً».

عزيزتي حواء، هل يبدو هذا الجانب من قصتي مشابهاً لما مررتي أو ما زلتِ تمرين به في حياتك؟ أعني قراراتك المصيرية تعتمد على موافقة الرجل حتى بعد بلوغك سن الرشد، وحتى وإن وهبك الله رجلاً متفهماً وداعماً، ستتولى النساء في عائلتك مهمة القلق من كلام الناس ونظرتهم، وتتولى صديقاتك مهمة «التنغيص» عليك، وتذكيرك بأن أي قرار في حياتك يجب ألا يتعارض أو يقلل من فرصك في الزواج.

مرت أكثر من 10 أعوام على هذه القصة، أحمد الله أن الأعوام الأخيرة التي ابتعثت فيها الآلاف من بنات الوطن أثبتت أن المرأة السعودية تستطيع أن تكون كائناً مستقلاً مستحقاً للثقة بلا وصاية. لكن تظل معضلة الوصاية داخل أرض الوطن تؤرق الكثيرات، فلا القوانين تغيرت، ولا نظرة الرجل باستحقاق الوصاية على امرأة بالغة عاقلة راشدة تغيرت، ولا المرأة تغيرت نظرتها عن نفسها بتصديقها أنها ناقصة الأهلية، بحاجة إلى رجل يقوم باتخاذ القرارات نيابة عنها، ولا تتخذ قراراً إلا بإذنه حتى لو كان خروجها من البيت! ولا ألوم الرجل، فما دام القانون والخطاب الديني يجتمعان على منحه دور الوصي الولي، فكيف له أن يخلع طائعاً ثوب «الحاكم بأمره»؟ لكنني ألوم المرأة التي ما زالت تعيش الكذبة، ولم تبحث عن الحقيقة الغائبة والمغيبة، فما زالت تصدق الفتاوى والأحكام التي تقلل من شأنها وتهينها بلا تساؤل: «كيف كرم الإسلام المرأة عن وضعها في الجاهلية، وهي الآن تعيش وضعاً لا ترضاه حتى نساء الجاهلية»!

وعلى رغم أنني اتخذت قرارات في حياتي لأخرس الناس عن الكلام، وندمت عليها لاحقاً أي ندم، لكنني خرجت من تجربتي بدروس سأكتبها لتقرأها ابنتي بعدي، إن وهبني الله ابنة:

«يا بنيتي، بلغتي اليوم سن الرشد، كنت وأبيك معك، نوجه ونربي ونرشد، واليوم أنت شخص مستقل، فليس لنا عليك إلا إبداء الرأي، إن جئت يوماً لنا طالبة النصيحة، ستتخذين قرارات خاطئة، وستمرين بتجارب فاشلة، ستمرين بضغوط وإحباطات ممن حولك، لكن الخبر السعيد أن كل ذلك من سنن الحياة، لا تقفي على الفشل طويلاً، فما هو إلا درس يعدك لما هو أجمل، لا تأخذي رأيي كمسلمات، ابحثي عن الحقيقة بنفسك، فكم من أمور ظننت أنها الحقيقة المطلقة، هدمها كثرة القراءة والانفتاح على سماع الرأي المقابل، لا شيء يدفع على التغيير، ويمنحك الثقة مثل المعرفة، الناس عندنا سيتكلمون حين تحاولين، وسيحسدون حين تنجحين، وسيشمتون حين تفشلين، فلا تعيري كلامهم بالاً، عيشي لما تؤمنين به، لا لما يؤمن الناس أنه الأفضل لك، فلن يكونوا معك عند حاجتك إليهم، فلماذا تهتمين بكلامهم أصلاً؟ استقلي مادياً عني وعن والدك وعن كل رجل، تملكين حياتك ورأيك، لكن أهم درس أبثه لك ألا تجعلي الرجل فَلَكاً تدورين فيه، بحاجتك الدائمة إليه، ستكونين عبئاً يهرب منه لا إليه، باختصار لن تكتملي بوجوده إن لم تكتملي بغيابه، حبي الكبير».

نشرته الحياة

الرجل السعودي مظلوم!


«السبب الوحيد لنجاحكِ هو أنكِ ترتدين شَيلَة (طرحة) بينما أنا لا أرتديها»! كانت كلمات غاضبة وجهها لي زميلي السابق في أرامكو عندما احتفت إدارة أرامكو والصحف المحلية بحصولي على لقب «مستشار أمن المعلومات»، كأول سعودية تتخصص في هذا المجال. كنت غاضبة أيضاً، كيف تصدر هذه الكلمات من زميلي الذي عملت معه خمسة أعوام وكنت أكن له كل الاحترام، وبذلت له كل المساعدة عندما التحق جديداً بقسم حماية المعلومات.

لم أفهم غيرة زميلي يومها إلا من أيام، حين قرأت خبر تأهل العداء السعودي يوسف مسرحي إلى نهائي ٤٠٠ متر في بطولة العالم لألعاب القوى متفوقاً على بطل العالم الحالي ومحققاً رقماً قياسياً سعودياً جديداً، وتأهل العداء السعودي عبدالعزيز لادان إلى نهائي ٨٠٠ متر في البطولة نفسها. كلا الخبرين مرّا بهدوء مقارنة بالزوبعة العالمية التي صاحبت اشتراك الرياضيتين السعوديتين وجدان شهرخاني وسارة عطار في أولمبياد لندن.

وسط كل الزوبعات التي تثيرها أخبار «أول سعودية تصعد قمة جبل أو تهبط على الأرض بطائرتها، أول سعودية محامية، أول سعودية عضو مجلس شورى» لا تنال الأخبار نفسها هذا الاهتمام إذا كان صاحبها رجلاً! هل تعرف مثلاً اسم أول سعودي حقق ميدالية في الألعاب الأولمبية؟ إن إثم تضخيم أي إنجاز للمرأة تدفع ثمنه حواء أولاً، فالمبالغة ما هي إلا تقزيم لها وإيغار لصدر الرجل عليها.

بودي أن يقرأ زميلي السابق هذه المقالة، لأنني أعترف له اليوم أنني «فهمتكم.. فهمتكم»، وكلي أمل ألا يربط اعترافي هذا بتصريح الكاتبة الأمريكية زوي فيراري خلال حفلة توقيع كتابها: (نظرة من الداخل على الحياة السعودية) والذي وصفت فيه الرجل السعودي بـ«المظلوم». ومع أن تصريحها يعتمد على تجربة قديمة لها حين عاشت مع عائلة زوجها في جدة في عام ١٩٩١، وحين كان على زوجها أن يعود للمنزل بعد الدوام ليقوم بمهمة السائق. الآن يا زوي عندنا سائقين يتجاوز عددهم عدد سكان مسقط رأسي مكة، يقومون بواجبات الرجل السعودي المظلوم، لذلك فإن صح التظلم لرجلنا فسيكون لأسباب لم تذكريها.

نعم.. كم ظلموك أيها الرجل السعودي، فسعادتك منذ يومك الأول الذي يسجل فيه اسمك في شهادة الميلاد سترتبط بالعائلة التي تنتمي لها، وأول ما يسألك الناس عنه عندما تكبر «وش تعود؟» وأنت وحظك، فإما أن يفتح لك لقبُك الأبواب أو يوصدها. نعم أنت مظلوم، رسموك بعقولهم المريضة على صورة الذئب المسعور الذي لا يتحكم في غرائزه أمام النساء، وبالغوا في الفصل بينكما حتى أنك لا تعرف في حياتك كيف تتعامل مع امرأة، ثم تُزوجك أمك على عينها وعلى عماك، وتتحمل نفقات حياتك الجديدة وحدك، فقيمتك بكم ستدفع؟ وكم ستظل تدفع؟ إذا أردت أن تكون في بيتك رومانسياً قالوا «خروف»، وإذا كنت جاداً قالوا «متبلد»، وإذا ابتعثوك قالوا سيعاقر الخمر ويفشل، وإذا رجعت بالشهادة والنجاح فستكافأ بأعوام البطالة. وضعوا كل النساء في حياتك في الهامش، وتركوا لك السطور، يضيع عمرك وجهدك في ملئها، فأنت المَحرم والمعرف والمعقب والسائق والوصي والولي والكفيل والعائل الأوحد للأرامل والمطلقات والعازبات والعاطلات في بيتكم. ظلموك حين أعطوك جميع المفاتيح لتتحكم في مصير أي امرأة تعيش في فلكك من دون قانون يكبح تغولك، فعشت دور «الحاكم بأمره»!

باختصار.. أنت مكروه في الداخل ومشوّه في الخارج، ومتهم بالإرهاب الدولي والسُّعار المحلي، ومع ذلك مازلت تحيا وتعيش دور الظالم وأنت المظلوم!

لله درك كم أنت عظيم!

 

نشرته الحياة اللندنية

 

شرف منال الشريف!


منذ أن خرجت الشابة الجريئة منال الشريف و أظهرت للعالم مطالبتها بحق واحد فقط من حقوق المرأة السعودية الكثيرة المهضومة حتى قامت الدنيا و لم تقعد…

و رغم اختلافي مع الأسلوب الذي انتهجته منال في المطالبة بحق بديهي و رغم الشكوك التي في رأسي حول “تسييس و توجيه” قضية منال لمسار ما بعد اعتقالها و رغم إيماني بأن قضية القيادة ليست أكبر قضايا المرأة السعودية و لا أهمها إلا أنني أشعر بالأسى الشديد على ما وصل إليه حال المعادين لمنال بشراسة و حقد!

عندما تطالب امرأة بحق ما قد لا يتفق مع مبادئك أو أخلاقك العالية أيها المعصوم عن الخطأ، فمن حقك أن تعبر عن رفضك أو معارضتك لما تطالب به….قيادة السيارة أمر اختياري في كل بلدان العالم…و رغم السماح بالقيادة للنساء في كل دول العالم الأخرى إلا أن هناك نسبة كبيرة من النساء لا يحبذن القيادة لأسبابهن الخاصة…

و بالتالي….أقول لكل غيور و لكل إنسان شريف عفيف: لا تخف، فلن يجبر أحد “حريمك” على القيادة!

لكن…أن تتهم منال في شرفها  و أخلاقها، فأنت هنا قد تجاوزت كل حد قانوني و إنساني و شرعي!

و بالطبع ازدادت الحملة على شراسة على منال بعد أن تم تكريمها من قبل مجلة فورن بوليسي الأمريكية كواحدة من الشخصيات المؤثرة لعام 2011م ….و الغريب المضحك أنه  عندما أختارت أوبرا نانسي عجرم كإحدى أكثر الشخصيات تأثيرا في العالم العربي في السنة الماضية، لم يعترض أحد إلا القلة القليلة! و أكاد أشم رائحة حملة جديدة عنوانها: “تعذيب منال الشريف”…و تهدف تلك الحملة إلى الإتيان بمنال و حرمانها حتى من مشاهدة سيارة عادية تسير في الشارع_لا سمح الله_ فلربما أثارت تلك السيارة البريئة في نفس منال و غيرها “الرغبة” في أن يقدن مرة أخرى!

عزيزي الغيور العفيف يا من ترفض قيادة السيارة حرصا منك على نساء هذا البلد الطاهر، إن ما تقوم به نحو منال الشريف يعد شرعا قذفا في عرض امرأة مسلمة! و القذف كما تعلم_ أيها الحريص على دينك_ ينتهك حدا من حدود الله المذكورة في القرآن و عليه يمكن لمنال في أي لحظة أن ترفع قضية قذف على كل من تكلم فيها بسوء!

 

إن الاختلاف في الرأي لا يبيح استباحة الأعراض و قذفها أيها الحريص على دينك_هداك الله!

محزن و مربِك أمر مجتمعنا…نحرم على امرأة قيادة مركبة خوفا على شرفها و في نفس الوقت لا نتوانى عن اتهام امرأة أخرى في شرفها و قذفها علنا!

إن كل مسؤول عن استمرار مهزلة عدم الفصل في النزاع الشعبي القائم في بلادنا يتحمل إثم من قذف الشريفات الحرائر اللواتي لم يقمن بأمر مشين في الخفاء و لا طالبن إلا بحق التنقل في بلد تخلى فيه الرجال عن أدوارهم الأساسية و تخلت فيه “الشوارع” عن توفير وسائل مواصلات آمنة لنسائه اللواتي يعملن ليعِلن أسَرَهِن!

أتمنى حقا أن يكون وطني على قدر مسؤولية حماية شرفي و شرف غيري من النساء من التعرض للإساءة و القذف وفقا للتعاليم الإسلامية التي يحرص على اتباعها هذا الوطن!

منذ أن خرجت الشابة الجريئة منال الشريف و أظهرت للعالم مطالبتها بحق واحد فقط من حقوق المرأة السعودية الكثيرة المهضومة حتى قامت الدنيا و لم تقعد…

و رغم اختلافي مع الأسلوب الذي انتهجته منال في المطالبة بحق بديهي و رغم الشكوك التي في رأسي حول “تسييس و توجيه” قضية منال لمسار ما بعد اعتقالها و رغم إيماني بأن قضية القيادة ليست أكبر قضايا المرأة السعودية و لا أهمها إلا أنني أشعر بالأسى الشديد على ما وصل إليه حال المعادين لمنال بشراسة و حقد!

عندما تطالب امرأة بحق ما قد لا يتفق مع مبادئك أو أخلاقك العالية أيها المعصوم عن الخطأ، فمن حقك أن تعبر عن رفضك أو معارضتك لما تطالب به….قيادة السيارة أمر اختياري في كل بلدان العالم…و رغم السماح بالقيادة للنساء في كل دول العالم الأخرى إلا أن هناك نسبة كبيرة من النساء لا يحبذن القيادة لأسبابهن الخاصة…

و بالتالي….أقول لكل غيور و لكل إنسان شريف عفيف: لا تخف،…

View original post 306 more words

فوازير «شريهان» السعودية


بكل قناعة، كنت من جيل التلفزيون (أبو إيريال) وشهدت أيام كانت القناة الأولى تفتح الساعة العاشرة صباحاً بالسلام الملكي وتلاوة من القرآن الكريم، وكنت شاهدةً على يوم افتتاح القناة الثانية حين اكتشفنا أن الزر رقم ٢ في جهاز التلفاز يستطيع أن ينقل شيئاً غير التشويش الأبيض، نحن أطفال الحجاز وأطفال نجد ومنطقة عسير لم نكن محظوظين مثل أطفال المنطقة الشرقية، فأزرار تلفزيوناتهم من ٣ إلى ١٠ مشغولة بقنوات دول الخليج المجاورة، ومازلت حتى اليوم أحمل عتبي كلما تم التضحية بوقت الرسوم المتحركة لنقل مباراة لكرة القدم أو سباق للخيل، لا أعرف لمن أبث هذا العتب لكن أعرف أن طفلي اليوم لن يحمل هذه الضغينة، لأن عنده عشرات القنوات التي تبث بلا انقطاع، حتى لو قلب ليله نهاراً كما في رمضان!

على زمني كان التلفزيون في رمضان أجمل ما في السنة، وفوق أننا كنا نتابع برامج لا تنسى مثل «على مائدة الإفطار» للشيخ الطنطاوي، رحمه الله، و«بابا فرحان»، وبرامج المسابقات «حروف»، وفوازير «عم مشقاص»، كانت أمي تحرص على اقتناء أشرطة «فوازير شريهان» و«فوازير فطوطة»، التي تصل طازجة من مصر لمحل أشرطة الفيديو في حيّنا بالعتيبية بمكة المكرمة.

ولأن برامج رمضان زمان لا تكتمل إلا بحلقة الفوازير اليومية، سأشارككم هذا التقليد الرمضاني الجميل عملاً بقول الجميلة شريهان «من فات قديمه تاه عن جديده»، وأجعل من مقالة هذا الأسبوع باقة «فوازير شريهان سعودية» برعاية صحفنا وأخبارنا المحلية:

الفزورة الأولى: ما الشيء الذي يعمل في وظائف هندسة البترول والكيمياء والجيولوجيا والجيوفيزياء والبيولوجي والحاسب الآلي في أرامكو السعودية وسمحت له الهيئة أخيراً، مشكورةً، بالعمل كجرسونة خارج أرامكو؟

الفزورة الثانية: ما الشيء الصالح للزواج والإنجاب في سن التاسعة وغير صالح لاتخاذ أي قرار في حياته من دون إذن ولي أمره من سن التاسعة حتى ما بعد الـ90؟

الفزورة الثالثة: ما الشيء الذي يطلق عليه السعوديون لقب «الملكة» وتغلق في وجهها كل وسائل الرزق حتى تعمل ماسحة مراحيض لتطعم عيالها التسعة؟

الفزورة الرابعة: ما الشيء نفسه الذي باستطاعته أن يقيم الدنيا ويقعدها إذا جلس خلف جهاز الكاشير، ولا يحرك فيهم ساكناً إذا أُغتصب وحُرق وقُتل على يد والده؟

الفزورة الخامسة: ما الشيء الذي تقام المؤتمرات لبحث مشكلاته ووضع الحلول لها وهو غائب عنها؟

الفزورة السادسة: ما الشيء الذي كلما تحرشت به وآذيته زادت عقوبته بالتضييق عليه لا عليك؟

الفزورة السابعة: ما الشيء الذي يقل راتبه من الضمان الاجتماعي عن العاملة المنزلية؟

الفزورة الثامنة: ما الشيء الذي يتفوق في الدراسة والعلم والعمل في كل دولة يبتعث لها، ونظل نشترط مرافقة ضده وإن كان أصغر منه؟ الفزورة التاسعة: ما الشيء الذي يكون السبب في وجودك في هذه الدنيا بعد الله ويهبك اسمك ومازلت تخجل من اسمه؟

الفزورة العاشرة: ما الشيء الذي يخاف عليه المجتمع من الدنيا وفي المقابل لا يخاف على ضده من الآخرة؟

كم تمنيت أن تسع الكلمات الـ٥٠٠ لهذا المقال لـ30 فزورة، لكن أملي أن تملؤوا البقية مما تفيض به أخبارنا اليومية، ولأنني أريد أن يفوز الجميع، حرصت أن تكون جميع الإجابات واحدة… إذا فاتك سؤال، لم تفتك الإجابة!… ورمضان كريم!

 

نشرته الحياة

الأربعاء ٢٤ يوليو ٢٠١٣

أهلية المرأة وولايتها


ثلاث مقالات مهمة جداً للمرأة السعودية عن أهليتها وولايتها وكيف تم استخدام أحاديث موضوعة أو ضعيفة لشرعنة معاملتها بأنها ناقصة أهلية تحتاج لإذن الرجل في كل أمور حياتها

بقلم د. سهيلة زين العابدين

في ربيع الأول عام 1433هـ وافق مجلس الشورى خلال جلسته العادية السابعة على إعداد مدونة للأحكام القضائية تشتمل على الأحكام الفقهية في مجالات الأحوال الشخصية والأسرة والمعاملات المالية والحدود والجنايات والعقوبات والتعزيرات.
ويدور النقاش حاليًا في الأوساط الثقافية والإعلامية حول مدونة الأحوال الشخصية المطروحة للنقاش على مجلس الشورى, وعند وضعنا لمدونة الأحكام القضائية بما فيها الأحوال الشخصية تواجهنا معضلات كبرى تتعلق بأهلية المرأة؛ إذ يوجد تناقض عجيب, فبينما تعد المرأة في أنظمتنا وأحكامنا القضائية كاملة الأهلية عند تطبيق الحدود والقصاص والتعزيرات وسائر العقوبات عليها ومنها عقوبة السجن, تعامل معاملة ناقصي الأهلية في سائر الأمور حتى في أخص خصوصياتها, بل حتى مجرد أن تنتهي محكوميتها في السجن, تُحوّل على الفور ناقصة الأهلية, فلا تخرج من السجن إلّا بحضور ولي أمرها لاستلامها, وقد يكون هو الذي أودى بها إلى السجن, ويوجد نساء سعوديات كثيرات انتهت محكومياتهن, ولكنهنّ قابعات في السجون لرفض أولياء أمورهن استلامهن. ومع أنّ الإسلام منح المرأة الأهلية الكاملة بلا استثناءات, إلّا أنّ انتقاص أهليتها, وعدم الاعتراف بولايتها على نفسها وأولادها القصر يُنسب إلى شرع الله, بالاستناد على أحاديث ضعيفة وموضوعة وشاذة ومفردة, مع علمهم بضعفها ووضعها وإفرادها وإعلالها, مرددين مقولة ” شهرة الحديث تفوق ضعف إسناده, وعدم شهرة الحديث تغلب صحة إسناده”, وهذا أمر دلالته جد خطيرة, وهي ترك الأحاديث قوية الإسناد التي لا توافق أهواء بعض الفقهاء وموروثاتهم الفكرية والثقافية, واعتماد الأحاديث الضعيفة الموافقة لما يريدون إقراره وإصداره من أحكام فقهية.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو: ما الأهلية, والولاية ,وما الفرق بينهما.
الأهلية: لغة: الصلاحية, ويقال فلان أهل لكذا أي مستوجب له, وفي التنزيل:(هو أهلٌ للتقوى وأهلٌ للمغفرة) وهي نوعان:
أولهما: أهلية الوجوب: وهي صلاحية الإنسان لوجوب الحق له أو عليه, وهي إمّا ناقصة تعني صلاحية الإنسان لثبوت الحق له دون ثبوت أي التزام عليه, أو كاملة, وتعني صلاحية لوجوب الحق له, وثُبوت الالتزامات عليه ,كما لو ملك الطفل مالًا فيجب زكاته من ماله, ويقوم على ذلك وليه, ومناطها الصفة الإنسانية, أو الحياة.
ثانيهما: أهلية الأداء: وهي صلاحية الإنسان لوجوب الحق عليه ومناطها العقل, وهي إمّا كاملة وتعني صلاحية الشخص للقيام بالتكاليف على نحو يُعتد به شرعًا من غير ما توقف على إذن غيره. وناقصة : وتعني عدم صلاحية الإنسان صدور التصرفات الشرعية منه كالصغير والمعتوه والمجنون , فعوارض الأهلية إذن الجنون، والعته، والغفلة، والسفه, وعدم بلوغ الرشد, وهذا ما أجمع عليه الفقهاء, فالأنوثة ليست من عوارض الأهلية.
أمّا الولاية ,فهي في اصطلاح الفقهاء: هي تدبير الكبير الراشد شؤون القاصر الشخصية والمالية.
والقاصر: هو من لم يستكمل أهلية الأداء سواء أكان فاقداً لها كغير المميز، أم ناقصها كالمميز، والولاية قسمان: الولاية على النفس: وهي الإشراف على شؤون القاصر الشخصية من صيانة وحفظ، وتأديب وتعليم وتزويج.
الولاية على المال: هي الإشراف على شؤون القاصر المالية من استثمار وتصرفات كالبيع والشراء والإجارة والرهن.
فالولاية إذن في التعريف الفقهي على القاصر, وليست على المرأة البالغة الرشيدة .فمن أين أتوا بفرض وصاية ولي الأمر عليها مدى حياتها؟
لقد أعطى الإسلام للمرأة أهلية قانونية وذمة مالية مستقلة مثلها مثل الرجل تمامًا، فساوى بينها وبين الرجل في القصاص والحدود والعقوبات، وفي البيع والشراء والرهن والقرض والوقف, والهبة، كما نصَّت المادة السادسة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنّ ” لكل إنسان في أي مكان، الحق في أن يعترف له بالشخصية القانونية”، ونصَّت كذلك الفقرة (أ) من المادة (19) من إعلان القاهرة لحقوق الإنسان في الإسلام (1411هـ / 1990م)على أنَّ ( الناس سواسية أمام الشرع ، يستوي في ذلك الحاكم والمحكوم.)
وهنا يصطدم ما يُنسبُ للشريعة الإسلامية، وما نصَّت عليه المادة (6) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والفقرة (أ) من المادة (19) من إعلان القاهرة لحقوق الإنسان في الإسلام ببعض التعليمات أو التعميمات أو الممارسات القضائية التي لا تجد سنداً شرعياً أو نظامياً والتي تقيد حق المرأة الرشيدة في التقاضي وفي إبرام التصرفات القانونية وذلك باستلزام ولي لها رغم بلوغها سن الرشد. فهذا يعني عدم الاعتراف لها بالشخصية القانونية بهذا الشأن. لأنَّ الاعتراف بالشخصية القانونية لها يقتضى منحها إمكانية التقاضي والتصرف متى بلغت سن الرشد. وقد نصّت الفقرة 3 من المادة (15) من اتفاقية إزالة كافة أشكال التمييز ضد المرأة ، على أن :” تتفق الدول الأطراف على اعتبار جميع العقود وسائر أنواع الصكوك الخاصة التي يكون لها أثر قانوني يستهدف الحد من الأهلية القانونية للمرأة باطلة ولاغية”. فصياغة هذا النص على هذا النحو المباشر يقر حقاً للمرأة ويعتبر باطلاً أي إجراء أو نص نظام يخالف هذه المادة. ويحق بالتالي للقاضي الاستناد مباشرة إلى هذا النص لإلغاء وإبطال كل ما يتعارض معه. ولكن للأسف الشديد الموروث الفكري والثقافي لدى الرجل مفسرًا كان أم محدِّثًا, فقيهًا كان أم قاضيًا حكم على المرأة البالغة الرشيدة بنقصان أهليتها, مستندًا على مفاهيم خاطئة لبعض الآيات القرآنية, ومرويات ضعيفة وموضوعة, وتعميم في غير محله, من ذلك:
•حديث “ناقصات عقل ودين”
•تعميم شهادة امرأتيْن برجل واحد
•تعميم للذكر مثل حظ الأنثيين, مع أنّ نص الآية واضح (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثلُ حظُّ الأُنثييْن)
•ولاية المرأة وحديث ( لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)
•تنصيف دية المرأة بجعلها نصف دية الرجل.
•تحويل معنى (وليس الذكر كالأنثى) إلى معنى مخالف لمعنى الآية بلاغيًا ومعنى.
انتقص خطابنا الإسلامي أهلية المرأة الذي ترتب عليه انتقاص أهليتها في الأحكام الفقهية والقضائية باستثناء القصاص والحدود والعقوبات والتعزيرات, حيث تُعامل معاملة كاملي الأهلية, ومن أسباب هذا الانتقاص:
أولًا: حديث “ناقصات عقل ودين”
ففي صحيح البخاري جاء هذا الحديث: ” حدّثنا سعيد بن أبي مريم قال أخبرنا محمد بن جعفر قال أخبرني زيد هو ابن أسلم عن عياض بن عبد الله عن أبي سعيد الخدري قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضحى أو فطر إلى المصلى فمرَّ على النساء فقال يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار فقلن وبم يا رسول الله قال تكثرن اللعن وتكفرن العشير ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن قلن وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله قال أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل قلن بلى قال فذلك من نقصان عقلها أليس إذا حاضت لم تصلِّ ولم تصُم؟ قلن بلى قال فذلك من نقصان دينها ”
فهذا الحديث قد وَرَد في الصحيحين مِن طُرُق عن أربعة من الصحابة :
من حديث أبي سعيد, ومن حديث ابن عمر, ومن حديث جابر, ومن طريق ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين , وفيه:
1. زيد بن أسلم العدوي، مولى الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قال عنه في ابن حجر في التقريب: “ثقة عام ، كان يرسل ,قال ابن عُيينة : كان زيد بن أسلم رجلًا صالحًا ، وكان في حفظه شيء ، وقال أبو حاتم: زيد عن أبي سعيد “مرسل”، وذكرها بن عبد البر في مقدمة التمهيد ، ما يدل على أنّه كان يدلس مما يفقد أحاديثه المعنعنة حجيتها ) ، و بالتالي فأحاديث زيد في الإسناد جديرة بالاستبعاد.[ابن حجر: تهذيب التهذيب ، 3/ 345، 346.]
ويلاحظ الضعف الواضح في الحفظ فلم يحفظ زيد الزمن فطر أم أضحى أم كلاهما؟
2.سعيد المقبري ,قال عنه ابن حجر في تقريب التقريب: “ثقة” تغيّر قبل موته بأربع سنين ، وروايته عن عائشة ، وأم سلمة مرسلة’.
3.عمرو بن أبي عمرو، واسمه: ميسرة مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب المخزومي أبو عثمان المدني.قال عنه في التقريب:’ ثقة ربما وهم” وجاء عنه في تهذيب التهذيب: في حديثه ضعف ليس بالقوي” وكان كثير الحديث صاحب مراسيل، وقال عثمان الدرامي: “في حديث رواه في الأطعمة هذا الحديث فيه ضعف من أجل عمرو بن أبي عمرو” وقال ابن حبّان في الثقات:” ربما أخطأ”, وقال السّاجي صدوق إلّا أنّه يهم.
عندما نتأمل هذا الحديث من حيث المتن نجد:
1. أنّ ليس من خُلق الرسول صلى الله عليه وسلم أن يجمع العواتق وذوات الخدور والحُيّض في يوم العيد، وحتى التي لا يكون لها جلباب تستعيره ممن لديها، ليقول لهن “أنتن أكثر أهل النار، وناقصات عقل ودين، كما جاء في الأحاديث.
2.توجد أحاديث رواها البخاري تحث النسّاء على الصدقة في العيدين، دون ذكر النساء أكثر أهل النار ،وناقصات عقل ودين.
3.توجد أحاديث ضعيفة ومنكرة عن النساء أكثر أهل النّار.
4.توجد أحاديث موضوعة وضعيفة عن تكفير العشير.
5. الحديث لا يتفق مع ما جاء به الإسلام، فهل يُعقل أنّه ينحصر دخول النساء النّار في قولهن لأزواجهن” ما رأينا خيرًا منكم ّقّط”. ولا توجـــد معاص ولا منكرات غير كفران العشير، وفي المقابل إنكار الزوج لخير زوجته ألا يدخله النّار؟، واضح أنّ رواة الحديث الضعاف أرادوا منح الزوج قدسية، فتقولوا على رسول الله هذا القول, وجعلوا مجرد قول المرأة لزوجها ما رأيتُ منك خيرًا قط يدخلها النّار، وممّا يؤكد عدم صحة هذا الحديث ،التقوُّل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنّ النساء “ناقصات عقل ودين لشهادة امرأتين برجل واحد، ولعدم صلاتها وصومها فترة الحيض، لو كان الرســـــول صـــــلى الله عليه وسلم قــــال هذا القول، لمــــا عمــــّم الشهادة والحـــــيض، فهو يدرك أنّ الآية إنَّما تتحدث عن” الإشهاد” في ديْن خاص، وليس عن الشهادة، وأنَّها نصيحة وإرشاد لصاحب الدَّيْن وليست تشريعاً موجهًا إلى القاضي الحاكم في المنازعات, فهي في عقود المداينة، أمّا الحيض فهو لا يلازم المرأة طوال حياتها، ومعروف أنّه يأتي الحيض في سن البلوغ، وينقطع في الغالب عند بلوغها الأربعين، فهل تعتبر ناقصة دين على الدوام؟ وهل عدم صلاة الحائض وصيامها يعد نقصانًا في الدين؟ وهو يمثل إرادة إلهية، والتزامها بتعاليم دينها منعها من الصلاة والصوم أثناء حيضها، وليس بدافع منها، حتى يعد نقصانًا في دينها، كما لا يسقط الحيض الصيام عن الحائض، فهي تقضيه، ولستُ أدري كيف يعتبر الإمام مسلم أنّ ذلك من نقصان الإيمان؛ إذ صنّف هذا الحديث في باب”بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات؟ وللأسف نجد علماء الإسلام وفقهاءه قبلوا بهذا التصنيف، وقبلوا بهذا الحديث رغم ضعف بعض رواته، بل تغاضوا عن ضعفه، وبعد متنه عن مبادئ وقيم الإسلام، وتناقضه مع أحاديث صحيحة، لأنّ ما جاء فيه يتفق مع أهواء الكثير في التقليل من مكانة المرأة، وبناء أحكام فقهية عليه، وعانت المرأة الأمرْين من هذا الحديث الذي حرمها من كثير من حقوقها في مقدمتها أهليتها، وولايتها على نفسها، وعلى غيرها، وحقّها في الولاية والشورى والبيعة.
1.تعميم للذكر مثل حظ الأنثيين مع علمهم بأنّ الذكر يأخذ ضعف الأنثى, وفيها يكون مسؤولًا عن نفقة من أخذ ضعفها, وأضعاف هذه الحالات الأربع ترث فيها المرأة مثل الرجل تمامًا وأكثر من عشر حالات تأخذ الأنثى أكثر من الرجل, وحالات هي ترث وهو لا يرث.
2.القول” لا ولاية لامرأة ” استنادًا على حديث أبي بكرة , وهو” لن يفلح قوم ولُّوا أمرهم امرأة ” لا يؤخذ به للأسباب التالية:
•تناقضه مع قوله تعالى ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر).
• تناقضه مع إشادة الخالق جل شأنه بملكة سبأ لكونها امرأة شورية ,وبيان قوة دولتها في قوله تعالى على لسان قومها ( نحن أولو قوة وبأس شديد ) [ النمل : 33],وهذه دلالة على فلاح قومها بتولي امرأة عليهم ؛ إذ وصلت حدود مملكتها إلى يثرب وشمال الجزيرة العربية, ، ولو كان لا ولاية لامرأة لبيَّن الخالق ذلك في هذه الآيات، واستنكر حكمها لقومها ,بل نجد سيدنا سليمان عليه السلام قد أقر بلقيس ملكة سبأ على حكم اليمن بعد إسلامها.
•الحديث رواية مفردة , فلم يروه إلّا عبد الرحمن بن أبي بكرة , والروايات المفردة لا يعتد بها في الأحكام الفقهية.
•لا تقبل رواية راوي هذا الحديث لتطبيق حد القذف عليه ,ولم يتب, وقد طبّق عليه هذا الحد الفاروق سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد قال الله عزّ وجل عمن حُدّ حدّ القذف( ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا … إلّا الذين تابوا )[ النور : 4-5.]
أمّا القول إنّ هذا الحديث أورده البخاري في صحيحه, فالإمام البخاري ليس بنبي معصوم من الخطأ ,وإنما بشر, وقد انتقد ابن حجر صحيح البخاري في كتابه فتح الباري بإيراده المرسل ، وما ينبغي أن يورد مرسلًا في صحيحه, وذلك لإيراده في باب “تزويج الصغار من الكبار” حديث رقم 5081، حديثًا مرسلًا, وهناك من انتقد على الصحيحيْن مائتيْن وعشرة أحاديث كابن حجر في مقدمة الفتح والدارقطني وغيرهما من الحفاظ، وبينوا وجود ضعف ووهم في بعض رواتهم، وقد ضعَّف الشيخ الألباني أحاديث للبخاري.
3.تنصيف دية المرأة.. إن ّالاجتهاد الفقهي بتنصيف دية المرأة الذي أُعتمد , وأُخذ به أهمل النص القرآني (وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ) كما يقول العلماء في المقصود بـ ( مؤمنًا) : هذه نكرة في سياق الشرط والنكرة في سياق الشرط كالنكرة في سياق النفي تعم، ولذلك تعتبر من ألفاظ العموم. فكلمة (مؤمن) تشمل الذكر والأنثى، وبهذا فلا توجد في القرآن أية آية تدل على تنصيف دية المرأة بالنسبة لدية الرجل, وأخذ بزيادة موضوعة في حديث صحيح؛ إذ لا يوجد حديث صحيح يدل على تنصيف دية المرأة، وقد اعتمد الفقهاء في تنصيف دية المرأة هي جملة ” دِيَةُ الْمَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ” التي أضافها البيهقي من عنده لحديث عمرو بن حزم” وفي النفس المؤمنة مائة من الإبل”، ويقول ابن حجر العسقلاني عن هذه الجملة: هذه الجملة ليست موجودة في حديث عمرو بن حزم الطويل، وإنّما أخرجها البيهقي! وهذا أمر خطير، وهي أن تُضاف جملة إلى حديث لم تكن موجودة فيه، ويؤخذ بها، ويترك النص القرآني، والجزء الصحيح من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم!
4.تحويل معنى قوله تعالى ( وليس الذكر كالأنثى) إلى أفضلية الذكر على الأنثى ,عكس معنى الآية, فالمقصود في الآية الأنثى التي وُهبت خير من الذكر الذي نذرتيه لخدمة بيت المقدس, فالأنثى هنا هي المشبه بها, والمشبّه به في علم البلاغة أقوى من المشبه, فكيف يُحولون المعنى إلى غير مقاصده لمنح الذكر الأفضلية, ويعممونه!!!
وهكذا يتضح لنا كيف أنّ المخلوق سلب المرأة أهليتها التي منحها إيّاها الخالق جل شأنه ؛ لذا من الأسس التي ينبغي أن تُبنى عليها مدونة الأحوال الشخصية عند وضعها أن تنص نصًا صريحًا على:
•سن الرشد لكل من الذكر والأنثى 18 سنة.
•رفع الوصاية والحجر على المرأة الراشدة , فهي كاملة الأهلية مثلها مثل الرجل لها حق الولاية على نفسها ومالها، وهي التي تثبت للشخص الكامل الأهلية بالحرية والبلوغ والعقل.
•الحد الأدنى للزواج للذكر والأنثى 18 سنة، وهو السن الذي حدّده الإمام أبو حنيفة حدّده كحد أدنى للزواج.
•للمرأة حق الولاية على أولادها وبناتها القُصّر في حال وفاة أبيهم أو عجزه, أو عدم صلاحيته للولاية.
•للمرأة البالغة سن الرشد حق إصدار جميع أوراقها الثبوتية وتجديدها بنفسها, أو توكيل من توكله دون أن يُشترط عليها ذلك.
• اعتماد بطاقة أحوال المرأة في المحاكم, وإلغاء المعرّفيْن لها, فلا يوجد في الإسلام معرفون للمرأة.
•للفتاة المعضولة حق تزويج نفسها عند بلوغها سن 25 سنة إن رفض أبوها أو أخوها, أو عمها أو خالها والقاضي تزويجها.(الإمام أبو حنيفة أعطاها هذا الحق دون تحديد سن معينة, قال الإمام القرطبي في التفسير” وقد كان الزهري والشعبي يقولان: إذا زوجت المرأة نفسها كفؤا بشاهدين فذلك نكاح جائز”, وذلك لعدم صحة أحاديث” لا نكاح إلّا بولي” فمنها الضعيف, ومنها الموضوع ,ومنها الموقوف.)
•إلغاء إعطاء من يُسمون بأولياء المرأة حق رفع قضايا تطليقها لعدم الكفاءة في النسب لتناقضها مع قوله تعالى(إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم )وللاستناد على أحاديث ضعيفة وموضوعة في أحكام التطليق القضائية لعدم الكفاءة في النسب.
المصدر:

suhaila_hammad@hotmail.com

مبروك زواجك من غيري… يا حبيبتي


في أحد النقاشات النسائية التي تستمتع فيها حواء بتقطيع آدم، جاءت هذه القصة:

«اتصل ليجدها بين دموعها سألها: ما بك؟

قالت: جاءني خاطب، وسأنزل الآن لأقابل أمه.

رد عليها: أمسحي دموعك حبيبتي، لتراك أمي جميلة.

النسخة المحلية

اتصل ليجدها بين دموعها سألها: ما بك؟

قالت: جاءني خاطب، وسأنزل الآن لأقابل أمه.

رد عليها: أمسحي دموعك حبيبتي وأنزلي لتقابلي أمه، قد يكون خيراً مني ويحبك أكثر مني، ومبروك الزواج مقدماً وبالتوفيق».

تلا هذه القصة الطريفة سيلٌ من التعليقات المضادة للرجل الشرقي، وكيف أن معظمهم يعلق الفتاة معه أعواماً في سراب أحلام وأوهام، ثم إذا أراد أن يرتبط كانت هي الأبعد من خياراته لزوجة المستقبل. وحتى إن تزوجها ستظل منة أو سيعيرها بأنها أحبته قبل الزواج، وفي بعض الحالات سيخونها أو يتزوج عليها… كانت هذه تعليقات صديقاتي، لكن كان لي وجهة نظر قد لا تتفق معها حواء.

من السهل جداً لوم الآخرين على تعاستنا وحتى حظنا العاثر، تجيد المرأة الشرقية وباحتراف لعب دور الضحية التي لا تملك زمام الأمور في قراراتها، فهي بيد الرجل أباً كان أو زوجاً، وأحياناً أخاً وابناً. وللمجتمع دور في بلورة هذه الفكرة حين أقنعها أنها أقل من الرجل، فلا هي صالحة لتدبير أمورها، على رغم أنها مسؤولة عن تدبير أمور بيتها، ولا هي قادرة على الوصول للكمال الذي وصل له الرجل، على رغم كل عيوبه، سيبقى الذكر ذكراً وتبقى الأنثى أنثى. والأسوأ حين تتحول العادات «المستجدة» التي تقلل من شأن المرأة لقوانين مكتوبة وتستخدم الأحاديث الموضوعة أو الضعيفة لإسباغ الشرعية عليها. وأقول المستجدة لأنها استجدت في جيل أمهاتنا ولم تكن في عهد جدتي – رحمها الله – التي ربت ثلاثة أطفال بنفسها بعد وفاة جدي، زرعت أرضها بيدها وملكت ماشيتها وبيتها وجميع أمرها.

الأم ملامة حين تزرع في عقل ابنها أنه أحسن من أخته بطريقة غير مباشرة، حين تسمح له بما لا تسمح لأخته، حين تتغاضى عن أخطائه بينما تعاقب ابنتها على الغلطة نفسها. البنت ملامة حين تستمد ثقتها من عدد خطابها، حين تدور في فلك الرجل الذي تحب حتى وإن لم يبدِ يوماً نية الارتباط بها، تجعل منه كل حياتها بينما هي جزء من حياته يستبدلها متى شاء، تجعل عالمها وقفاً ورهينة لإرادة الرجل، تسعد بإسعاده وإن أتعسها، تغفر زلاته بينما لا تتوقع المثل منه، يجب أن تكون ملاكاً وليس بشراً لتستحق حبه وقلبه وخاتم الزواج الذي قد لا تراه يوماً.

الزوجة ملامة حين تتنازل عن حقها أن تكون شريكة كاملة للرجل في حياته، يتقاسمان المسؤولية في أعمال البيت وتربية الأبناء، هل تعرف الزوجة أنه شرعاً لا يجب عليها خدمة الزوج، أو حتى استئذانه في أمور حياتها، بل مشاركته والأخذ برأيه فقط، هل تعرف أن القوامة معناها القيام بشؤونها وخدمتها، لا علاقة مالك ومملوك كما نرى اليوم؟ حتى المطلقة ملامة حين تجمع حقيبتها وانكساراتها وتخلي بيت الزوجية ظناً منها أن في ذلك صوناً لكرامتها؟ جاهلة أو متجاهلة أن البيت من حقها وأطفالها؟ كيف انقلبت الموازين؟ ثم تسأل لماذا الرجل يهينها؟ بينما هي أهانت نفسها أولاً حين تنازلت عن حقوقها إما جهلاً أو حُباً… حواء أول من يُلام في غمط حقوقها، حتى لو كانت معنوية كحقها في الاحترام! لكنه الرجل الذي كتب القواعد في حياة المرأة واتبعتها هي بلا أسئلة!

حقيقة:

حلم كل رجل أن يكون الأول في حياتها، وحلم كل امرأة أن تكون الأخيرة في حياته.

نشرته الحياة

الأربعاء ٢٢ مايو ٢٠١٣

ملابس المرأة السبب في اغتصابها


هذا العنوان ليس مقتبساً من دراسة علمية أجراها أحد مراكز أبحاث الجريمة، بل هو، مع الأسف، عنوان أحد النقاشات التي أثارتها تغريدة لامرأة تقف بصف «المتحرش والمغتصب والقاتل»، إذا كانت المرأة غير محتشمة وترى أن ما يحدث لها هو حصاد عدم تسترها، كما أؤمن بحرية التعبير فإني أؤمن بحرية الغباء أيضاً، وعلى رغم أن الكفة رجحت بجانب المستهجنين لهذا الرأي إلا أن هناك عدداً لا بأس به ممن أيد هذه الفكرة.

رأيّ المتواضع أن ثقافتنا الشرقية من أنتج أمثال هذه المرأة في بيوتنا ومدارسنا وأماكن عملنا، فكيف لا ومجتمعاتنا العربية من رباها على تحمل الخطأ دوماً في أي علاقة مع الرجل، حتى لو كان هو المخطئ، من باب الرجل «شايل عيبه»، والمرأة «سمعة»، وشرف العائلة متعلق بأفعالها وحدها، مجتمعاتنا التي تنصح المرأة بالتستر وتنسى نصح الرجل بغض البصر.

نحن من زرعنا هذه المقارنة في رؤوس النساء ثم نبكي ما تحصده أيدينا حين تقف المرأة بصف جلادها، حين نربي البنت على أنها مخلوق ناقص وفاقد للأهلية بحاجة لإذن رجل في كل شاردة وواردة في حياتها، فمن الطبيعي أن تلوم نفسها لكل شر ينزل بها إذا كان من طرف الرجل حتى وإن كان ببشاعة جريمة كالاغتصاب، فلا نأتي اليوم ونستنكر أن تخرج لنا بعض النساء بهذه الأفكار! ألم تهاجم إحداهن سن قانون يعاقب المتحرش بدعوى أننا لو أقررناه نثبت جريمة التحرش؟ ماذا عن المتحرشين بالأطفال؟ هل كان على الأطفال التستر أيضاً وإلا سنلومهم على ما وقع بهم؟

عرضت إحدى القنوات هذا الأسبوع تجربة غريبة بعض الشيء، طلبت من أحد الممثلين الشباب أن يتنكر بزي امرأة، وأن يخرج للشارع في إحدى الدول العربية وسجلت ما يجري معه بكاميرا فيديو، أجروا التجربة مرتين، في كلتيهما كانت الملابس ساترة، والفرق أن المرة الأولى من دون حجاب وفي الثانية بحجاب، في الحالتين كانت التحرشات تتكرر وبالصفاقة نفسها.

أكد الممثل بعد تجربته أنه وهو الرجل ذاق القليل جداً مما تذوقه المرأة كل يوم وبصمت، وأنه من الصعب جداً أن يقول إنه شعر بألمها لأنه في النهاية عاد لحياته الطبيعية بعد هذه التجربة، بينما عليها أن تمر بها كل يوم تخرج فيه للشارع.

نظرة المرأة لنفسها بأن أفعالها وحدها هي المسؤول عما يقع لها من شر هي ما جعلت بعض مرضى النفوس يتجرأ على بنات وطنه فيتحرش ويقذف ويهين، بينما يحترم النساء في البلدان التي لديها قوانين صارمة ضد أمثاله! هي نفسها ما جعل المجتمع ينظر تلك النظرة الدونية للمطلقة والعازبة، فهي حتماً السبب في فشل زواجها، أو أي مشروع للزواج منها.

أخطر أنواع قمع المرأة هو قمعها لنفسها ولبنات جنسها، أن تعطي المبررات لمن يؤذيها وحتى تشجعه على ذلك بصمتها واستسلامها ولوم الضحية بدلاً من المجرم، وهذا القمع هو أخطر الأنواع وأشدها فتكاً بالمرأة.

وقفة مع سيدنا يوسف «عليه السلام»:

(وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)، «سورة يوسف – آية ٢٣».

نشرته الحياة

الأربعاء ١٥ مايو ٢٠١٣