مذكرات منقبة سابقاً


ماهو الشيء الذي تلبسه المرأة المسلمة طوال حياتها،  وتلبسه المرأة الغربية يوم زفافها، ينظر له الغرب أنه قمع للمرأة، وينظر له الشرق أنه حفظ للمرأة؟ هو أكثر قطعة ملابس أثارت جدلاً على مر التاريخ، لدرجة أن منعتها حكومات وفرضتها أخرى؟ نعم، إنه الحجاب بأي شكل كان، من أكثره تشدداً متمثلاً في (النقاب والبرقع) حتى أكثره انفتاحاً متمثلاً في الملابس المحتشمة للنساء بدون غطاء الرأس. هذا المقال ليس محاولة لشرح تاريخ الحجاب وعرض للمجموعات الدينية التي مازالت تفرض شكلاً معينا للباس على نساءها، من يهودية ومسلمة وحتى بعض الطوائف المسيحية الأرثودوكسية. هو فقط عرض بسيط لتطور الحجاب في وطني السعودية، البلد الثاني (بعد ايران) الذي يفرض بقوة عصا (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) شكلاً ولوناً معيناً للحجاب على جميع النساء، سعوديات وغير سعوديات، مسلمات وغير مسلمات. وعندما أذكر (عصا الهيئة) فأنا أعني أنه فعلاً لا يوجد قانون سعودي مكتوب يحدد هيئة ولون الحجاب.

 

السعودية بسبب اتساع مساحتها تحتوي على تنوع كبير من الثقافات واللهجات والمذاهب الإسلامية لكل منطقة من مناطقها. حتى السبعينات الميلادية لم يكن هناك فرض لشكل معين لملابس النساء، تجد النساء البدويات بملابسهن الزاهية وبراقعهن التي تظهر مقدمة شعر الرأس والعيون المكحلة، ونساء المدينة بعباءة (اللف) التي يلففنها حول الخصر، والنساء العربيات بحجابهن الملون، والنساء غير المسلمات بملابس محتشمة لكن بدون حجاب. أذكر النساء في قرية أبي (الطرفاء) الواقعة شمال  غرب مدينة مكة بملابسهن الزاهية وشراشفهن الوردية والبيضاء التي يلففنها حول الوجه، بدون تغطيته، مظهرات مقدمة شعر الرأس. حتى ضربت موجة التشدد الديني مجتمعنا، ودعمتها مؤسسات الدولة، فتم فرض عباءة الرأس السوداء وغطاء الوجه على جميع موظفات الحكومة، وجميع المدراس والجامعات. وفرض الحجاب الأسود على غير السعوديات بغض النظر عن دينهن ومذهبهن. في تلك الفترة كان من المستحيل في مسقط رأسي (مكة) أن ترى أي امرأة سعودية غير منقبة، كان كشف الوجه من التابوهات الإجتماعية والمحرمات الدينية. حتى أن مطويات الوعظ الديني التي انتشرت في تلك الفترة كانت تؤصِّل لفكرة أن غطاء الوجه هو ما يفرق المسلمة عن الكافرة. وقد وُجهت في فترة من حياتي عندما كنت منقبة بإتهام (الكفر) من طفلة في العاشرة من عمرها كانت تجلس بجانبي في الطائرة عندما رفعت نقابي لتناول وجبة الطعام.

 

تقول مقدمة احدى مطويات فترة الصحوة والتي تدعو للحجاب وتحذر من تركه:

“هدية للمرأة المسلمة

أختي المسلمة إنك اليوم تواجهين حرباً شعواء ماكرة، يشنها أعداء الإسلام بغرض الوصول إليك وإخراجك من حصنك الحصين، حتى قال بعضهم (علينا أن نكسب المرأة ففي أي يوم مدَّت إلينا يديها فُزنا بالحرام وتبدد جيش المنتصرين للدين) وقال آخر: (كأس وغانية تفعلان في تحطيم الأمة المحمدية أكثر مما يفعله ألف مدفع، فأغرقوها في حب المادة والشهوات). فكوني حذرة أختي المسلمة ولاتنخدعي بما يثيرونه من شبهات وشكوك وبما يرفعونه من شعارات. ومن المسائل التي يحاول أعداء الإسلام التشكيك فيها والقضاء عليها (مسألة الحجاب) حتى قال بعضهم: (لا تستقيم حالة الشرق مالم يُرفع الحجاب عن وجه المرأة ويغطى به القرآن)”

وتم تصدير نفس الفكر لخارج السعودية بدولارات النفط. أرجع بالذاكرة لأيام الحرب البوسنية عندما سيّرت السعودية قافلات إغاثة للمحاصرين في سراييفو كان المسؤولون على هذه القوافل يوزعون الحجاب على النساء مع كراتين الغذاء.

 

أصبح الحجاب الإسلامي في السعودية لا يصح إلا بغطاء الوجه والجسم بالكامل بالسواد، وعلى الرغم من أن النساء يبدين متطابقات تماماً لأي شخص من خارج السعودية، لكن السعوديين استطاعوا تطوير فراسة من نوع فريد جداً للتعرف على المرأة التي تقبع داخل ذلك السواد. كان أبي يعرفني من بين العشرات من الطالبات الواقفات خارج أسوار المدرسة أو الجامعة، ولم يخطئني يوماً مع فتاة أخرى، كما نتعرف على قريباتنا أو صديقاتنا إذا صادفنا إحداهن في السوق أو المسجد. تصبح لدينا حساسية كبيرة للصفات الأخرى كالصوت، طريقة لبس النقاب، العينين، المشية، وحتى نوع العباءة وحقيبة اليد والحذاء. ويجد الشباب طريقة للتعرف على سن الفتاة وقوامها من مشيتها فقط.

 

ثم جاءت فترة التسعينات الميلادية بقنواتها الفضائية وتلتها الألفية الثالثة بتطور وسائل التواصل من انترنت وهواتف نقالة، وتوفرت الخيارات أمامنا لقراءة الأقوال المغايرة للرأي الواحد الذي طالما تم تقديمه لنا على أنه وحده الذي يتبع منهاج النبوة ويمثل الإسلام الصحيح. وبدأ المجتمع المحافظ بطبعه بطرح التساؤلات والشكوك حول أمور تم فرضها كمُسلَّمات على الجميع بقوة الدين وبمباركة الدولة، وكان من أوائل هذه الأمور الحجاب بتفسيره الوهابي الضيق، لكن الأمر لم يكن بتلك السهولة. عندما قررت التوقف عن ارتداء النقاب في عام ٢٠٠٢، واجهت حرباً باردة مع عائلتي ومع المجتمع، إرتدت أمي النقاب في فترة الصحوة ومع ذلك لا ترتديه في سفرنا خارج السعودية، لكنها رفضت حقيقة أن ابنتها اختارت ألا ترتدي النقاب في السعودية والسبب كان اجتماعياً وليس دينياً (لن تتزوجي يا ابنتي إذا كشفتي وجهك). في مكة كانت النظرات المستهجنة تلاحقني إذا عرفوا في المكان أنني سعودية. كنت أؤدي الطواف في أحد الأيام، وكان المراقب الذي ينظم حركة الطائفين في صحن الحرم ينصحني بصوت عالي كلما مررت عليه وأنا أطوف (غطي وجهك يا مرة)، في المرة الثالثة نظرت إليه مباشرة وأشرت بأصابعي حولي (وكل هاتين المسلمات الطائفات وهن كاشفات هل هن عاصيات؟ أم كوني سعودية فقط؟)، توقف الشيخ عن نصحي في بقية الأشواط. وعلى الرغم أنني لا أرتدي النقاب في الشارع ومكان عملي، لكن كان علي استعارة نقاب صديقتي لدخول المحكمة، حيث لا يسمح للنساء بدخول المصالح الحكومية وخصوصاً المحاكم وهن كاشفات، وكان علي احضار معرفين ذكرين أحدهما أخي لتعريفي أمام القاضي على الرغم من وجود بطاقة الهوية معي.

 

قد يكون التغيير بكشف الوجه هو الأكبر الذي مر به المجتمع السعودي، لكن ذلك ليس التغيير الوحيد الذي تجرأت النساء على فعله مع الحجاب. بدأت مجموعة من فتيات (جدة) بفكرة ارتداء عباءات ذات ألوان مغايرة للون الأسود، فظهرت العباءات ذات الألوان الرمادية والكحلية والبني الغامق في جدة، وعندما ظهرت نفس الألوان في الرياض قامت الهيئة بشن حملة صادرت فيها العباءات الملونة من محلات العباءات، ولا أعرف كيف ستتعامل الهيئة مع العباءات زاهية الألوان إذا ظهرت. ولأجرب ذلك طلبت من المحل الذي أتعامل معه أن يفصل لي عباءة ملونة لكن صاحب المحل رفض بشدة: (إذا شوهدت عباءة ملونة في المحل سأتعرض للمسائلة والمضايقة من قبل رجال الهيئة)، لكن صديقاتي دللني على أحد المحلات التي تقبل تفصيل عباءات ملونة ويتم تسليمها للزبونة بالخفاء. التغيير الآخر كان في رمزية العباءة، فلم تعد مقتصرة على المعنى الديني أو الاجتماعي فقط، بل أصبحت العباءة تعامل كالأزياء تماماً، تظهر trends وتختفي كل فترة. وظهرت مصممات أزياء متخصصات في تصميم العباءات فقط ، يقمن عروض أزياء لعرض آخر التصاميم وتصل أسعار العباءات لعشرات الآلاف حسب شهرة المصممة ونوعية القماش والمواد المستخدمة في تطريز العباءة.  ظهرت أيضاً أنواع مختلفة للعباءات حسب كل مناسبة، عباءة للدوام تتميز بكونها عملية، وعباءة للسوق، وعباءة للمناسبات وتتميز بكونها مطرزة وفخمة، وحتى عباءات شتوية وصيفية.

 

وعلى الرغم من كل هذه التغييرات التي ذكرتها، تظل العباءة السوداء مفروضة بقوة الدولة. يقول المدافعون أن في ذلك حفظ للفضيلة وتأكيد على تطبيق الشريعة الإسلامية، لكنهم نسوا أن في فرض شكل معين من اللباس على فئة من الجتمع ماهو إلا سابقة لم تحدث في تاريخ الأمة الإسلامية، فلطالما كان شكل اللباس ولونه متروكاً للمجتمع الإسلامي مع البقاء على الحشمة بشكل عام. لذلك أجد فرض العباءة السوداء ماهو إلا تعطيل لسنة الحياة واعاقة للتطور الطبيعي الذي يحدث في طريقة وشكل اللباس التي طالما حدثت حسب حاجة الناس وتغير الظروف.

٢٦ أكتوبر.. والكذبات الخمس


BXamd7uIAAAGmBk

في شهر واحد شاهدنا أول فيلم سعودي واقعي عشنا إثارته لحظة بلحظة اسمه (رُهاب المرأة)، ولو للمرأة اليوم أن تفخر عليها أن تفخر أنها كشفت بهذا التاريخ خمس كذبات عظيمات:

الكذبة الأولى: كذبة الذئاب البشرية، التي أشبهها بسعلوة جدتي التي كانت تخوفنا بها صغاراً حتى لا نخرج من البيت. فلا السعلوة أكلتنا ولا جدتي أقنعتنا.

الكذبة الثانية: كذبة مجتمع الفضيلة الذي يجب أن يمثل الإسلام بالنيابة عن العالم الإسلامي ولم يترك مسبة ولا قذف ولا اتهام لم يلصقه بمن طالبت بحق القيادة (طيب أتركوا لكم خط رجعة لما تجي بنتك بكرة تزاحمنا أو تزاحمينا يا معارضة في الشوارع) آخذاً بذلك إثمها، وإثم كل مسلمة تقود سيارتها في هذا العالم الرحب، خارج حدود مجتمع فضيلتهم.

الكذبة الثالثة: كذبة الأمن والأمان. إذا كانت امرأة خلف مقود سيارة ستزعزع أمن بلد كامل، راجع نفسك! أهو خوف على المرأة أم خوف منها؟

الكذبة الرابعة: الحكومة تقدمية والمجتمع متخلف أوغير جاهز، وبقية التصريحات البراقة التي تخرج للإعلام الخارجي، عن رغبة الحكومة في تمكين المرأة واعطائها حقوقها الكاملة، لكن المجتمع (وِحشين مو وجه نعمة).

الكذبة الخامسة: وهي أهم كذبة في رأيي كذبة القيادة شأن اجتماعي، بل هي شأن سياسي محض، يقرره السياسي. سقطت هذه الكذبة أخيراً بعد أن صدر بيان وزارة الداخلية الأخير وذلك بعد غموض ثلاث سنوات، وصدحت كل المنابر أمس في خطب الجمعة انصياعاً لهذا الأمر. وبالمناسبة شكراً بسبب هذا البيان الكل خرج للنور أخيراً! الآن الكل يلعب عالمكشوف لأول مرة.

الحقيقة الوحيدة وسط كل هذا الزيف أن قوة المرأة السعودية عاتية، قوية، كاسحة، هي لم تدرك قوتها بعد، لأنها مازالت تناضل في أرض المعركة. لم أشهد حركة حقوقية واحدة أو حملة واحدة تحدث كل هذا الضجيج وتصبح قضية رأي عام وتحرك المياه الراكدة وتجعل حتى الحجر ينطق أخيراً، بكل هذا الزخم والعنفوان والصدق. هزمتهم حتى أن الرؤوس دارت، ولفت.. هم الآن يدورون يفترون يكذبون زوراً وبهتاناً بعد أن أعيتهم الحيل.. يلصقون تهم التجمعات والتظاهرات، يخترعون استفتاءات يغيرون نتائجها بما توافق هواهم، ينشرون الإشاعات لترهيب المجتمع.. أي دين وأي فضيلة بربكم! الحق لا يحتاج لكل هذا الصراخ والزيف والكذب.. هذا اليوم كشف حتى المتلونين، من هم يوم معك ويوم ضدك، كل حسب مصلحته..

شكراً ٢٦ أكتوبر.. كم أسقطت من أقنعة..

علمونا صغاراً
أن الدين بفهمهم فقط
هو الدين الصحيح
وهو الذي كرم المرأة عن الجاهلية

ونكتشف كباراً
أن هناك ديناً
خارج حدود السعودية

وأن المرأة عندنا تعيش حياةً
لاترضى بها حتى نساء الجاهلية

فوازير «شريهان» السعودية


بكل قناعة، كنت من جيل التلفزيون (أبو إيريال) وشهدت أيام كانت القناة الأولى تفتح الساعة العاشرة صباحاً بالسلام الملكي وتلاوة من القرآن الكريم، وكنت شاهدةً على يوم افتتاح القناة الثانية حين اكتشفنا أن الزر رقم ٢ في جهاز التلفاز يستطيع أن ينقل شيئاً غير التشويش الأبيض، نحن أطفال الحجاز وأطفال نجد ومنطقة عسير لم نكن محظوظين مثل أطفال المنطقة الشرقية، فأزرار تلفزيوناتهم من ٣ إلى ١٠ مشغولة بقنوات دول الخليج المجاورة، ومازلت حتى اليوم أحمل عتبي كلما تم التضحية بوقت الرسوم المتحركة لنقل مباراة لكرة القدم أو سباق للخيل، لا أعرف لمن أبث هذا العتب لكن أعرف أن طفلي اليوم لن يحمل هذه الضغينة، لأن عنده عشرات القنوات التي تبث بلا انقطاع، حتى لو قلب ليله نهاراً كما في رمضان!

على زمني كان التلفزيون في رمضان أجمل ما في السنة، وفوق أننا كنا نتابع برامج لا تنسى مثل «على مائدة الإفطار» للشيخ الطنطاوي، رحمه الله، و«بابا فرحان»، وبرامج المسابقات «حروف»، وفوازير «عم مشقاص»، كانت أمي تحرص على اقتناء أشرطة «فوازير شريهان» و«فوازير فطوطة»، التي تصل طازجة من مصر لمحل أشرطة الفيديو في حيّنا بالعتيبية بمكة المكرمة.

ولأن برامج رمضان زمان لا تكتمل إلا بحلقة الفوازير اليومية، سأشارككم هذا التقليد الرمضاني الجميل عملاً بقول الجميلة شريهان «من فات قديمه تاه عن جديده»، وأجعل من مقالة هذا الأسبوع باقة «فوازير شريهان سعودية» برعاية صحفنا وأخبارنا المحلية:

الفزورة الأولى: ما الشيء الذي يعمل في وظائف هندسة البترول والكيمياء والجيولوجيا والجيوفيزياء والبيولوجي والحاسب الآلي في أرامكو السعودية وسمحت له الهيئة أخيراً، مشكورةً، بالعمل كجرسونة خارج أرامكو؟

الفزورة الثانية: ما الشيء الصالح للزواج والإنجاب في سن التاسعة وغير صالح لاتخاذ أي قرار في حياته من دون إذن ولي أمره من سن التاسعة حتى ما بعد الـ90؟

الفزورة الثالثة: ما الشيء الذي يطلق عليه السعوديون لقب «الملكة» وتغلق في وجهها كل وسائل الرزق حتى تعمل ماسحة مراحيض لتطعم عيالها التسعة؟

الفزورة الرابعة: ما الشيء نفسه الذي باستطاعته أن يقيم الدنيا ويقعدها إذا جلس خلف جهاز الكاشير، ولا يحرك فيهم ساكناً إذا أُغتصب وحُرق وقُتل على يد والده؟

الفزورة الخامسة: ما الشيء الذي تقام المؤتمرات لبحث مشكلاته ووضع الحلول لها وهو غائب عنها؟

الفزورة السادسة: ما الشيء الذي كلما تحرشت به وآذيته زادت عقوبته بالتضييق عليه لا عليك؟

الفزورة السابعة: ما الشيء الذي يقل راتبه من الضمان الاجتماعي عن العاملة المنزلية؟

الفزورة الثامنة: ما الشيء الذي يتفوق في الدراسة والعلم والعمل في كل دولة يبتعث لها، ونظل نشترط مرافقة ضده وإن كان أصغر منه؟ الفزورة التاسعة: ما الشيء الذي يكون السبب في وجودك في هذه الدنيا بعد الله ويهبك اسمك ومازلت تخجل من اسمه؟

الفزورة العاشرة: ما الشيء الذي يخاف عليه المجتمع من الدنيا وفي المقابل لا يخاف على ضده من الآخرة؟

كم تمنيت أن تسع الكلمات الـ٥٠٠ لهذا المقال لـ30 فزورة، لكن أملي أن تملؤوا البقية مما تفيض به أخبارنا اليومية، ولأنني أريد أن يفوز الجميع، حرصت أن تكون جميع الإجابات واحدة… إذا فاتك سؤال، لم تفتك الإجابة!… ورمضان كريم!

 

نشرته الحياة

الأربعاء ٢٤ يوليو ٢٠١٣

محاكمة الحويدر والعيوني محاولة لإخراس الناشطات


وجدت اليوم بالمصادفة وأنا أقرأ تداعيات محاكمة الناشطتين السعوديتين وجيهة الحويدر وفوزية العيوني التي حكم فيها عليهما بالسجن ١٠ أشهر والمنع من السفر عامان (عارفين ديرتهم عقوبة) وجدت حساب الزوجة الكندية نتالي مورين أو أم سمير وتجدونه هنا

https://twitter.com/DanaShahrani

في حسابها مسجله فيديوهات تتهم السلطات السعودية بعدم منحهم جوازات سفر هي وأطفالها لأنهم موضوعين على القائمة السوداء الممنوعة من السفر وذلك منذ مارس ٢٠٠٥..

يبدو أن عائلة السيدة نتالي لديها مشاكل مع السلطات وليس الزوج كما يبدو من كتاباتها في حسابها حيث وضعت صورة لها ولزوجها وطفلهما الأول..

ثم كتبت أنها “تأسف لما حدث مع السيدة وجيهة الحويدر وصديقتها فوزية العيوني وأنا لم تحاول الهرب أو ارتكاب أي أمر غير قانوني”

وضعت أيضا صورة من ثلاجتها بتاريخ ١٨ مايو ولايوجد فيها إلا كيس شرائح جبن وكتبت تحتها (الجوع موجود في السعودية)

 

تدوينة ذات صلة

محاكمة وجيهة الحويدر وفوزية العيوني

 

متى تقود المرأة السعودية السيارة؟


سؤال المليارات التي يحولها السائقون سنوياً خارج الوطن، سؤال الاستفزاز الجاهز وسؤال القطيعة المحتمة بين المؤيد والمعارض..  هل فعلاً نعرف متى ستقود النساء في أرض المليوني سائق؟   عندما يصلني الدور على الإجابة أشعر برغبة عارمة في الضحك لأن المرأة تسأل كل من حولها عن أمر بيدها وحدها أن تغيره.. هل تظنون أن الحكومات حول العالم استيقظت يوماً من النوم صارخة: (لقد شاهدت رؤية في المنام تأمرني أن أعطي النساء حقوقهن).. وهكذا نالت النساء حقوقهن في دول العالم المتقدم.. وعاشوا في سبات ونبات وتوتة توتة خلصت الحدوتة..

ماذا يعني أن يتم حسم أمر مشاركة المرأة السياسية وهي عنق الزجاجة في ملف المرأة الشائك والمكهرب، بينما تظل الحكومة متمثلة في وزارة الداخلية ترفض قبول النساء في مدارس تعليم القيادة وترفض استصدار رخص القيادة للنساء؟ هل نتعلم من تاريخ دول مجاورة مثل قطر التي كانت الدولة قبل الأخيرة في استصدار الرخص للنساء في عام ١٩٩٧؟ نعم ما زلنا نحمل وبكل (فشيلة) المركز الأخير بين الأمم. سيتم اتهامي بالتحريض وإثارة الرأي العام وغيرها من التهم الجاهزة على رف المزايدين على الوطنية (اللي مقطعة بعضها).. لكن قبل اصدار الحكم هل للقاريء الكريم أن (يوسع صدره) ويكمل بقية التدوينة؟

سأضع بين أيديكم خلاصة ما جمعته عن الموضوع في السنتين الماضيتين:

١- المسؤولون في كل مقابلة مع وسيلة إعلام أجنبية يصرحون أنهم مع حق المرأة في القيادة لكن (المجتمع غير جاهز)- يادي المجتمع اللي صار علاقة لكل فشل في التخطيط.

٢- المسؤولون في الداخل إما يتجاهلون أو يتخذون ردات فعل متشنجة (إيقاف، تعهدات، سجن، تشهير، تهديد، مضايقات في العمل، إلخ) وكأنهم بذلك يساهمون مشكورين مساهمة فعالة في تجهيز المجتمع الغير جاهز أصلاً وكله حسب تصريحاتهم للإعلام الأجنبي.

٣- مجلس الشورى المستحي جداً والمتردد جداً لمناقشة عريضة قيادة المرأة ومازال في أخذ ورد يشاور نفسه، ويبدو أنه أخيراً رُحم من هذا الخجل حين أضاءت الإشارة الخضراء من (الناس اللي فوق).

٣- التيار الديني أوالمحافظ منقسم بين مؤيد ومعارض.. والمعارضة  من باب سد الذرائع التي وصلت للتحريم، في مخالفة لأسس التشريع الإسلامي التي لن يسامحهم عليها التاريخ حين تم تحريم أمر بدون نص صريح من كتاب أو سنة.. حتى أن الإمام الألباني ضحك على سؤال أحدهم (هل يجوز أن تقود المرأة السيارة؟) وكان رده (إن كان يجوز لها أن تقود الحمارة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم فيجوز لها أن تقود السيارة)  فقال السائل: هناك فرق بين الحمارة والسيارة، فقال الشيخ : وأيهما أستر؟ ركوب الحمارة أم ركوب السيارة؟ أكيد السيارة ..! انتهى كلامه.

٤- التيار المنفتح أو الليبرالي (ليبرالي ليست مسبة بل على العكس المتأمل في أسس الشريعة الإسلامية يجدها قائمة على أساس ليبرالي، أي التعايش مع الآخر المختلف عنا “لكم دينكم ولي دين” وأساس العدالة الإجتماعية التي تساوي بين الجميع بدون تفرقة على أساس اللون أو الجنس أو حتى الدين والمذهب)..  المهم أن التيار الليبرالي أيضاً منقسم فمنهم المتجاهل، ومنهم المهاجم على أساس أن هناك ما هو أولى وأهم، ومنهم المتحمس الصادق، ومنهم المستغل للموضوع لتصفية حساباته مع التيارات الأخرى.

٥- أصحاب مكاتب الاستقدام وشركات سيارات الأجرة، لا يخفى على أحد أن ملَّاكها و أرباحها تصب في جيوب المتنفذين من عليَّة القوم والهوامير. ذكرت لي صديقة مقربة منهم أن عائلة واحدة فقط من المتنفذين تملك ٧٠٪ من مكاتب الإستقدام حول المملكة تدر عليهم سنوياً ما يفوق ٨٠٠ مليون ريال! وعلى الرغم من أن العهدة على الراوي لكنني أميل لتصديق روايتها حين أرى الحملة الشرسة على أي تغيير لوضع قائم حتى لو كان بإنشاء شبكة مواصلات عامة في بلد المليوني كيلومتر مربع!

٦- المجتمع المغلوب على أمره، الذي يشبه كثيراً الذبيحة على طاولة العشاء، فالكل يريد أن يفوز بالهبرة الأكبر.

٧- النساء أنفسهن، وهن الطرف المهم الأهم الذي سيحسم هذا الجدل الدائر منذ عقود. فلا شرع يحرم، ولا نظام المرور يمنع، وهن نصف المجتمع والأمر عائد لهن، أي أن القرار قرارهن، على الرغم من منعنا من دخول مدارس القيادة إلا أن أخي علمني كيف أقود، وعلى الرغم من الحرمان من استخراج الرخص، استخرجت رخصة خليجية من دولة الإمارات، وعلى الرغم من الإيقاف والتعهد وحتى السجن وحملة التشهير وتشويه السمعة الذي تعرضت لها، مازلت أقود سيارتي كلما أحتجت ولم يتم إيقافي ثانية حتى اليوم.

لم تتوقف المرأة البدوية أو الريفية، منذ استبدلت الدابة بالسيارة والجنبية بالبندق، لم تتوقف عن استخدام ما جادت به المخترعات الحديثة لتسيير حياتها وشؤونها في صحرائنا أو ريفنا، ولن يجرؤ أحد أن يشكك في عفتها أو دينها أو أخلاقها لأنها ببساطة ستضع فوهة البندقية في وجه من يجرؤ.. ولن يجرؤ.. في حين تنازلت امرأة المدينة عن حقوقها وبرضاها هي، وسمحت للغادي والرائح على مساومتها على حقوقها أو المتاجرة بها أو استخدامها كورقة رابحة لإشغال الناس عن ما هو أهم.

الحرية قرار شخصي وليست قراراً سياسياً! متى ما تعلمت المرأة السعودية الدرس ستقود السيارة وستلغي نظام الولاية وستلغي الظلم الواقع عليها في المحاكم وستنال بقية الحقوق المسلوبة.. يومها فقط ستدرك أن الحقوق تُنزع ولا تُستجدى! نقطة!

وقفة: في العالم المتقدم مسؤول يعني مسؤولية ومسائلة على قراراته وخططه ومشاريعه لأنه مؤتمن على وطن وأرواح.. بينما المسؤولية عندنا أصبحت تشريف ومنصب وجاه، ثم نسأل لماذا انتشر الفساد وضاعت الحقوق بينما نحن أول من يلام حين ضيعنا حتى لغتنا ونسينا أن المسؤول في الأصل جاء من المسائلة (وقفوهم إنهم مسؤولون)!

بكل فخر غير صالح للنشر

أريد وظيفة لا قيادة سيارة!


خرجت بعض المغردات على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» بهاشتاق «أنا عاطلة أريد وظيفة لا قيادة سيارة»، وسجلن في تغريداته  مطالباتهن لعضوات مجلس الشورى المعينات بجعل ملف البطالة أولوية عند مناقشة قضايا المرأة، خصوصاً أن نسبة البطالة بين النساء بلغت ٨٤ في المئة، بحسب تصريح وزير العمل الأخير، وأبدين امتعاضهن من «غياب حس الأولويات» عند من يؤيد حق المرأة السعودية في قيادة السيارة… ردت المؤيدات لحق القيادة بالامتعاض أيضاً، إذ كتبن «مع غياب المواصلات العامة، والنقل المؤسساتي الآمن، ثلث الراتب سيذهب للسائق، هذا إن وجد وكان ملتزماً في مواعيده»، وهي حقيقة، إذ ذكرت لي مرة مديرة مركز سيدات الأعمال في الغرفة التجارية في المنطقة الشرقية هند الزاهد، أن أكثر من ٦٠ في المئة من العاطلات اللاتي رفضن الوظائف التي عُرضت عليهن ذكرن سببين لذلك، الأول: عدم توفر المواصلات، أو أن المواصلات تستنفد الجزء الأكبر من الراتب، والسبب الآخر عدم موافقة ولي الأمر – مع تحفظي على مسمى ولي أمر لامرأة بالغة راشدة.

لست هنا للدخول في معمعة الجدال العقيم الذي استمر لما يزيد على العقدين في موضوع تجاوزته كل بلاد الدنيا، لكنني هنا لتسجيل بعض ما يدور بخلدي كلما رأيت الحزبين «المؤيد والمعارض» في مد وجزر عند مناقشة أحد الحقوق… بداية اسمحوا لي أن أطرح بعض التساؤلات التي سأترك إجاباتها للقارئ الكريم: هل الحقوق مجزأة، أم كُل لا يتجزأ؟ هل الحقوق يُصوت عليها؟ من يحدد الأولويات في سلم الحقوق؟ هل الأولويات واحدة عند الجميع، أم كل بحسب حاجته؟ هل المطالبة بحق من الحقوق سيعطل الحصول على البقية؟ أيهما أجدى بالجهد: المطالبة بما تراه أولوية عندك، أم مهاجمة من يطالب بغير ذلك؟ هل سمعت يوماً بشخص طالب «بعدم منحه حقوقه»؟ لكن السؤال الأهم: هل يحق لمن تنازل عن حقوقه، أو الراضي بالوضع القائم، لعب دور الوصي لإخراس البقية؟

تخيل أن بحر الحقوق ما هو إلا قطرات كثيرة ومتتالية من المطر، فلولا القطرات ما كان البحر، وكذلك أي عمل، أو مطالبات تسعى لانتزاع حق أو لتحقيق مصلحة عامة، لن يتحقق ذلك إلا بجمع الأعمال الفردية التي يُضحي الفرد فيها بالكثير، ويواجه الكثير من أجل أن يُضاف عمله مع أعمال البقية لتحقيق الهدف الأكبر وهو الحصول على المواطنة الكاملة للمرأة السعودية… لو لم تكن من القطرات، لا تسخر من القطرات التي تهبط وتتجمع لتصنع البحر ولا تحاول قمعها… ولو كنت من القطرات لا تضيع وقتك في الدخول في جدال ومنازعات لا تقدم ولا تؤخر… لا تستصغر البقية، أو تستحقر عملها، فمن دونها ستظل مجرد قطرة تبخرها أول أشعة للشمس… كن فقط القطرة التي تصنع البحر.

أخرج ابن عساكر في تاريخ دمشق عن الأوزاعي قال: «إذا أراد الله بقوم شراً فتح عليهم الجدل ومنعهم العمل»… جعلنا الله ممن يعملون ولا يجادلون، وإذا كنا لا نعمل جعلنا الله ممن يتكلمون خيراً أو يصمتون.

قفشة: انتشرت صورة ميكروباص مكتوب على زجاجه الخلفي «لتوصيل الطالبات والمعلمات وعضوات مجلس الشورى»، أبشركم يتم تخصيص سيارات مع سائقيها لأعضاء وعضوات مجلس الشورى.

نشرته صحيفة الحياة

رصاصة في الرأس للفتاة التي قالت «لا»


يوم التاسع من تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، في قرية صغيرة بوادي «سوات» شمال غربي باكستان، كانت «ملالا يوسف زي»، ذات الـ15 ربيعاً عائدة من المدرسة إلى المنزل في حافلة تقلها وزميلاتها. أوقف رجلان مسلحان الحافلة وبدأا بالسؤال عن «ملالا»، أشارت إحدى زميلاتها إليها، وفوراً أطلق أحدهما الرصاص ليصيبها برصاصتين في الرأس والكتف، ما جعل سائق الحافلة يضغط على دواسة البنزين ويلوذ بالفرار.

لكن ماذا فعلت «ملالا» لتستحق عقاباً بهذه القسوة وهذه الوحشية، وهي لا تزال في عمر الزهور؟

قصة «ملالا» بدأت عام ٢٠٠٩، عندما أصدرت حركة طالبان في باكستان قراراً يمنع تعليم الإناث، لكنها قررت تحدي القرار، وبدأت بالكتابة في مدونتها على «الإنترنت» لتوثيق ما قامت به حركة طالبان لتضمن تطبيق القرار، كتبت مرة كيف أنهم يقتحمون المنازل بحثاً عن كتب من مدارس البنات «خبأت يومها كتبي تحت السرير حتى لا تتم مصادرتها»، كتبت ملالا، نفوذ طالبان في باكستان قوي في المناطق القريبة من أفغانستان، ومنها وادي «سوات» البشتوني، كتبت ملالا كيف أنهم أغلقوا 400 مدرسة للبنات، ومازالوا يهددون ويتوعدون من تذهب للمدرسة، التهديدات لم تقتصر على الفتيات فقط بل وذويهن، ما جعل عائلة «ملالا» تلتزم الصمت لفترة بعد الحادثة خوفاً على حياة بقية أفراد العائلة.

دخلت «ملالا» في غيبوبة بين الحياة والموت، حاول الأطباء في باكستان إنقاذها، إذ تمكنوا من استخراج الرصاصتين، لكنها لم تفق بعد العملية الجراحية، ساد الحزن باكستان، إذ كان الأفراد والطلاب والطالبات في المدارس يجتمعون ليصلوا من أجل سلامتها، ثم تبرعت الإمارات بتكاليف علاجها وتم نقلها عن طريق الإسعاف الجوي إلى بريطانيا، إذ استطاع الأطباء في بريطانيا إنقاذها من موت محقق بعد اضطرارهم لإزالة قطعة من عظم الجمجمة، ليخف الضغط على المخ المتورم من جراء الرصاصة، صرح بعدها المتحدث باسم طالبان باكستان أن الحركة أقسمت أن تقتل «ملالا» إذا نجت من الموت.

أجرت «ملالا» خلال سنوات مقاومتها لقرار منع تعليم البنات في منطقتها حملات ومقابلات مع شبكات أخبار عالمية كـ«السي إن إن»، والـ«بي بي سي» لكن العالم لم يلتفت لقضيتها، ويشاء الله أن تكون صدمة محاولة اغتيالها سبباً في خروج المسيرات الحاشدة في باكستان وحول العالم ترفع صورها وتنادي بعقاب المعتدين وإيقافهم، حتى صارت صورتها واسمها أيقونة عالمية تذكر بقضية حرمان الفتيات من حق التعليم.

وعلى الصعيد الرسمي لقب وزير الداخلية الباكستاني رحمن مالك «ملالا» بـ«فخر باكستان»، وأمر بتسمية مدرستها على اسمها، ومنحها «وسام الشجاعة»، وهو ثالث أرفع وسام عسكري ولا يمنح عادة للمدنيين، كما أعلنت الأمم المتحدة السبت الماضي «العاشر من تشرين الثاني (نوفمبر) عن «يوم ملالا»، وهو اليوم الذي يتم فيه اتخاذ إجراءات تركز على «ملالا» و٣٢ مليون فتاة أخرى حرمن من حق التعليم حول العالم، ١٠ في المئة منهن في باكستان، وبدأت الأمم المتحدة أيضاً حملة عالمية لتعليم البنات تحت اسم «أنا ملالا»، يقودها رئيس الوزراء البريطاني السابق غوردون براون، الذي يشغل حالياً منصب مبعوث الأمم المتحدة الخاص المعني بالتعليم.

عادت حواس «ملالا» للإستجابة، لا تستطيع الكلام بعد، لكنها تتواصل مع من حولها بالكتابة، لا تزال تسأل عن كتبها المدرسية، تريد أن تذاكر للاختبارات المقبلة إذا عادت إلى باكستان، الفتاة التي تحدت طالبان لم تثنها الرصاصة وتجربة الاغتيال المفزعة لتتوقف عن الكتابة والدراسة… شجاعة «ملالا» قهرت جبروت التطرف الديني، وأيقظت العالم ليدعم حقها ونظيراتها في التعلم.

 نشرته صحيفة الحياة

ردود القراء على «ماذا لو كنت وزيراً» ؟


وصلتني رسالة من ثلاث صفحات من محمد بن راشد الخضير من الطائف، تعقيباً على مقالي الأسبوع الماضي «ماذا لو كنت وزيراً؟»، أدهشتني الاقتراحات التي أدرجها، ولأهميتها أحببت مشاركة ما تسعه مساحة هذا المقال: «ذكرني المقال بأعوام مضت، يوم عملت في شركة كبرى وتعيين رئيس جديد أجنبي للإدارة التي عملت بها، سأل في أول لقاء له مع موظفيه: «لو عُينت مكاني ماذا كنت ستفعل؟»، لم أنس أبداً ذلك السؤال، وبالطبع استفدت منه في حياتي العملية، واسمحي لي بهذه المقتطفات في السياق ذاته: لو كنت وزيراً لأي وزارة فسأتأكد كل صباح بأن موظفي السنترال في كل فروع الوزارة يردون على مكالمات واستفسارات المتصلين، لتوفير المعلومة من دون تكبد المعاناة في مراجعة المكاتب، وبهذا أكون وفرّت الوقت على المراجعين، وأسهمت في تخفيف زحام السيارات، وتوفير استهلاك الوقود، وشجعت العمل بالحكومة الإلكترونية، وسوف أوجد جهازاً رقابياً منوطاً بالوزير لمتابعة التنفيذ وفق قواعد النظام، وأن أجعل من هيئة مكافحة الفساد ذراعي الأيمن لملاحقة المفسدين والمقصرين في أماناتهم وفي حق وطنهم ومواطنيهم.

لو كنت وزيراً للنفط لتقدمت باقتراح لمجلس الشورى برفع أسعار الوقود للاستفادة من فائض القيمة في تعزيز موازنة النقل العام، وبهذا أسهم في رفع الخدمة في هذا القطاع الحيوي والمهم للمواطن، ثم أجعل «أرامكو» مسؤولة عن تطوير قطاع محطات الوقود للارتقاء بها، كما في الدول المجاورة، وجعلتها مسؤولة عن فحص خزانات المحطات، لتراقب من يسرق المواطن ببيع البنزين المخلوط، وتوقع الجزاء الفوري على المخالفين لأنه لا جدوى من اللجوء لوزارة التجارة. لو كنت وزيراً للتعليم العالي فسأعمل بجدية لاستقطاب جامعات عالمية لفتح فروع لها في المملكة، وساندتها من صندوق الاستثمار، وبهذا أوفر وظائف محلية ترتفع بالكادر الأكاديمي في الوطن، وتخفف من عناء الطلبة في غربة الابتعاث، وتزيد من تراكم الخبرات التعليمية، لأن تراكم الخبرات مهم للأجيال المقبلة، وسأهتم بتأصيل الانتخاب في القيادات الجامعية، وإبعاد الكوادر الأكاديمية عن العمل الإداري، الذي هو في الوقت الحاضر هدر للطاقات العلمية في أعمال إدارية على حساب التطور الأكاديمي.

لو كنت وزيراً للأوقاف، واطلعت على المساحات الكبيرة التي تملكها وزارتي من دون استثمار، لدعوت وزارة الإسكان أن تنشئ عليها مساكن للأرامل والأيتام والمطلقات، وبهذا يتحقق أروع ما في الوقف، ألا وهو التكافل الاجتماعي.

لو كنت رئيساً لهيئة الطيران المدني، لأمرت فوراً بدرس مشروع لإقامة مطار آخر في جنوب جده أقرب إلى مكة المكرمة لخدمة الحجاج. لو كنت وزيرًا للتجارة لقمت بالآتي:

مراقبة الأسعار بصورة عادلة، ليس فيها ظلم للتاجر، ولا حيف للمواطن، وإلزام جميع المحال، من دون استثناء، بوضع الأسعار على السلع، وأوجدت جهازاً رقابياً قادراً على تحقيق هذا الهدف من الشباب السعودي العاطل، الحد من المحال التجارية التي تنتشر في كل زاوية من مدننا، وتشجيع بناء المجمعات التجارية، كما في الجبيل وينبع، بحيث يقل عدد العماله الوافدة، تعزيز دور هيئة المواصفات في مراقبة السلع المستوردة، وإلزام المستورد بإذن استيراد مسبق حماية للتاجر والمستهلك. لو كنت وزيراً للبلديات، أقترح على المقام السامي إيقاف الاستحكامات، ومنح المساحات الكبيرة عن طريق المحاكم وربطها بأمانة المدن مباشرة، فلا حاجة لمطوري المخططات الذين دورهم تقسيم المساحات و«السفلتة». إذ يناط ذلك بجهات التخطيط الرسمية لتراعي الحاجة للخدمات والمرافق والحدائق وفق ضوابط التخطيط الحديث للمدن والتزايد المستقبلي للسكان، ويتم توصيل الخدمات كافة للمخططات وبيعها من الأمانة للمواطنين بسعر التكلفة».

نشرته صحيفة الحياة

ماذا لو كنت وزيراً ؟


سؤال تم طرحه في «هاشتاق»، «لو كنت وزيراً»، التغريدات التي شارك بها مغردون سعوديون كانت تبحث عن حلول، تقدم اقتراحات وطموحات، مع أن البعض كان ساخراً، لكن قراءة سريعة تجعلك تلمس نبض ونضج الشارع السعودي في قراءة الوضع الراهن … مجلس الوزراء السعودي هو المجلس الأعلى للحكم في السعودية، يتكون من رئيس مجلس الوزراء ونائبه، و٢٢ وزيراً، وسبعة وزراء دولة، والمفتي العام… الآن اسأل نفسك، لو كنت وزيراً، أي وزارة تريد أن تبدأ بها، وما التغيير الذي تريد أن تراه؟ لاحظت أن أكثر الوزارات التي كتب عنها المغردون هي وزارات التربية والتعليم، العدل والعمل، وقد تكون لكونها الأقرب من الحياة اليومية للمواطن… سأكتب بعضاً مما قرأت:

«لو كنت وزير النفط والثروة المعدنية، لغيّرت اسم الوزارة إلى وزارة الطاقة، ولاستثمرت في مشاريع إنتاج الطاقة الشمسية، ولقدمت مع وزير الاقتصاد والتخطيط البدائل التي تقلل من اعتماد اقتصادنا على الثروة النفطية.

لو كنت وزير التربية والتعليم، لدرست أبنائي في المدارس الحكومية، لأنني وقتها سأحرص أن تكون المناهج متواكبة مع العصر ومطورة، والتفوق مقياسه التفكير الناقد والتحليلي والبحث، لا الحفظ والتسميع، لحرصت أن تتوفر معامل مجهزة للدروس العملية، ووجبات صحية ونظيفة للطلاب، ومكان مخصص للأكل، ولحددت عدد أقصى لكل فصل لمنع التكدس، لاستبدلت بكتبهم، التي حنت ظهورهم الصغيرة، جهاز «آي باد»، وموقع إلكتروني لمتابعة دروسهم وواجباتهم وتحصيلهم العلمي، ولاهتممت بالرياضة والأنشطة اللاصفية، ولجعلت التعليم إلزامياً للجنسين، ولفتحت مكتبة عامة في كل مدرسة وكل شارع.

لو كنت وزير التعليم العالي لتعاونت مع وزير العمل والشركات الخاصة لأخرّج طلاباً وطالبات بتخصصات تحتاجها سوق العمل.

لو كنت وزير العمل لشملت العمالة المنزلية في قانون العمل والعمال السعودي، ولفرضت على أصحاب العمل فتح حضانة في مكان العمل لأطفال الموظفات، وتوفير وسائل النقل الاقتصادي والآمن لهن، ولفرضت على الشركات الخاصة توفير التأمين الاجتماعي والطبي لجميع العاملين بها، وحددت حداً أدنى للأجور، ولجعلت «السعودة» لا تقل عن ٨٠ في المئة، وتغريم المخالف.

لو كنت وزير العدل، لعينت كاتبات عدل، ومنحت طالبات القانون رخصة المحاماة، ولعينت في المحاكم مترجمين باللغات التي يتحدث بها العمال الأجانب لحفظ حقوق الجميع، ولأعطيت الأولوية لقضايا الأسرة، فكان هناك مدونة للأسرة، ومحاكم لقضايا الأحوال الشخصية، ولكان هناك متابعة صارمة لتنفيذ الأحكام الصادرة من نفقة وحق في الحضانة والزيارة وإرث وغيره.

لو كنت وزير المواصلات، لأنشأت شركة مواصلات عامة تربط جميع مناطق المملكة، ولجعلت بدل المواصلات للنساء ثلاثة أضعافه للرجال، بدل ضرر من حظر القيادة.

لو كنت وزير الداخلية، لجعلت أرقام الطوارئ موحدة، ولسنيت قانوناً يُجرم العنصرية والطائفية، وقانوناً يعاقب ويشهر بالمتحرشين.

لو كنت وزير الإسكان، لقدمت استقالتي…

لو كنت وزيراً لأي وزارة، سأحذف كلمة «معالي»، وسأحاسب نفسي قبل أن أحاسب الآخرين، ولكان منهجي المصارحة والشفافية في ما تستطيع وزارتي عمله بلا مبالغات، ولخلعت «المشلح»، ولقمت بعمل زيارات ميدانية مفاجئة وبلا موكب، ولاعتذرت عن أخطاء وزارتي، ولفتحت باب مكتبي لشكاوى المواطنين، وتقبلت النقد بصدر رحب، أو وضعت وسيلة للمواطن لإيصال اقتراحاته وشكاويه، فهو أصدق من سينقل لي واقع الحال، وليس من هم تحت إدارتي، ولحرصت على تدريب الموظفين، ولكانت الترقيات بحسب الكفاءة والجهد وأخلاقهم عند التعامل مع المواطنين، ووفرت التأمين الطبي لجميع منسوبي الوزارة، ولمنعت تكوين اللجان، وسمحت بلجان شعبية تراقب عمل الوزارة».

نشرته صحيفة الحياة

عشاء مع سعادة السفير


في ليلة خريفية مبتلة، سكبت فيها السماء غيماتها قطرات من مطر على نوافذ مدينة النور، ومع أنغام عربية تنبعث بسعادة من سماعات المطعم… تحلقنا حول طاولة العشاء في معهد العالم العربي مع سعادة سفير النرويج لمنظمة اليونسكو السيد تور ايركسون. كان معنا مديرة المعهد السيدة منى خزندار، وهي أول امرأة تترأس ادارة أحد أهم المؤسسات الثقافية في أوربا والعالم ، ولسعادتي فإن منى سعودية أيضاً. وعلى الجانب الآخر من الطاولة جلست السيدة فيجديس ليان، رئيسة اللجنة الوطنية النرويجية لليونسك. كان الحوار شيقاً، لوجود الأشياء المشتركة بيننا وبين النرويج، فهي مملكة وليست جمهورية وتعتبر خامس أكبر مصدر للنفط بانتاج مليوني برميل يومياً – أي خُمس انتاج السعودية- و ثالث أكبر مصدر للغاز في العالم ولكنها ليست عضوًا في منظمة أوبك.ولاعطاء نبذة مبسطة عن مملكة النرويج، فهي دولة أوربية من الدول الاسكندنافية، عدد سكانها لا يتجاوز الخمسة مليون، تتبع نظامًا ملكيًا دستوريًا ديمقراطيًا برلمانيًا. تم اكتشاف النفط فيها عام ١٩٦٩م ولم يوفر إنتاج النفط دخلاً صافياً حتى أوائل عقد الثمانينات من القرن العشرين، بسبب رأس المال الضخم الذي تطلبه إنشاء البنية التحتية لصناعة النفط الذي تملك أغلب مؤسساته الدولة. يتمتع النرويجيون بثاني أعلى ناتج محلي إجمالي للفرد الواحد في العالم وتأتي في المرتبة الأولى عالمياً في مؤشر التنمية البشرية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي. كما تتصدر قائمة أفضل الدول من حيث مستوى المعيشة وتتمتع بأعلى مستوى حرية صحافة في العالم مناصفة مع آيسلندا بحسب (مراسلون بلا حدود) وتمتلك أدنى معدل جرائم قتل في العالم.
من حسن حظي أن سعادة السفير رجل اقتصاد أيضاً، ماجعلني أستغل الفرصة لأمطره باسئلة طالما أشغلتني، كان سؤالي الأول عن نعمة أو نقمة النفط، كيف ستتعامل النرويج معها بعد أن ينفد النفط من حقوله؟
قد تكون الإجابة معروفة للقاريء لكن من الجيد سماعها من واقع تجربة، يقول ايركسون: “من السهل جداً الاعتماد على الثروة النفطية الهائلة التي تملكها البلاد، لكن ذلك سيجعلنا تحت رحمة ارتفاع وانخفاض أسعار النفط، لذلك خلقنا اقتصاد لا يعتمد على الثروة النفطية، حيث نوعنا مصادر الدخل بحيث لا تشكل عائدات الثروة النفطية غير ٣٠٪ من الناتج المحلي، واستثمرنا أكثر في الصناعات الأخرى كمزارع الأسماك والمنسوجات والمنتجات الورقية وغيرها، غير امتلاكنا لسادس أكبر أسطول بحري في العالم. تحرص الدولة أن يكون هناك أعلا درجات الشفافية مع الشعب في نشر تقاريرعن كل كرونة – عملة النرويج- تدخل خزينة الدولة من الثروة النفطية، لكن ذلك صنع مشكلة كبيرة حيث يرى الجميع مقدار الثروة الهائلة التي تملكها الدولة ما يجعل الرغبة في الإنفاق مستمرة، لذلك هناك سياسة داخلية غير مكتوبة لوضع حد أعلا للإنفاق السنوي من الثروة النفطية لا نتجاوزها، ونقوم باستثمار الفائض من الثروة النفطية في دعم الصناعات الأخرى أو في الاستثمار في الأسهم والسندات والعقارات. لكن أهم ماقامت به الدولة هو انشاء صندوق الثروة السيادية (صندوق معاشات التقاعد الحكومي – العالمي)، والذي يمول من عائدات النفط..”
ولأكمل حديث سعادة السفير سأقتبس من موقع ويكيبيديا: “تشير التوقعات إلى أن صندوق المعاشات النرويجي يمكن أن يصبح أكبر صندوق رأس مال في العالم، وحاليًا هو ثاني أكبر صندوق ثروة سيادي مملوك لدولة، خلف جهاز أبوظبي للاستثمار. صادرات النفط والغاز المستمرة إلى جانب وجود اقتصاد سليم وتراكم الثروة الكبيرة يؤدي إلى استنتاج مفاده أن النرويج سوف تظل من بين أغنى البلدان في العالم في المستقبل المنظور.”
تحولت باسئلتي للسيدة فيجديس ليان، وهي امرأة في بدايات الستينات من عمرها، شعرها الأبيض بالكاد يلامس كتفيها. لها عينان دافئتان يعلوهما حاجبان أسودان كثيفان: “سيدة ليان، تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي يشير إلى أن النرويج على رأس القائمة في مستوى المساواة بين الجنسين، فيما يصنف نفس التقرير المملكة السعودية وتشاد واليمن على أنها الأقل مساواة في العالم مع أني أشك أن اليمن أقل منا فهناك يمنيات عضوات في الحكومة. أي نحن نأتي في ذيل القائمة بينما تتصدرون أنتم القائمة. كيف حصلتن على حقوقكن، هل استيقظ ملك النرويج يوماً وقرر اعطائكن حقوقكن كاملة؟ هل كان للبرلمان المنتخب دور في ذلك؟ ما سركن؟”..
عبست السيدة ليان من قولي وأزاحت كوبها جانباً وكأنها تفتح الطريق بيننا. مدت يديها أمامها وهي تشير بكلتيهما وبقوة اشارة النفي.. “لا لا لا.. لم يحدث في تاريخ البشرية وليس النرويج فقط أن أخذت النساء حقوقهن لأن الرجال أرادوا ذلك، لقد قاتلنا وقاتلنا وقاتلنا، قاتلنا لآخر حق ومازلنا نقاتل.. من نيل حق التصويت وبقية الحقوق السياسية وحتى حق الحضانة في مكان العمل واجازة الأمومة التي تستمر لسنة كاملة بلا أي اقتطاع من الراتب.. من يخبرك أن النساء سينلن حقوقهن لأن الرجل سيسمح بذلك فهو إما كاذب أو مجنون”..
حولت نظري للسيدة منى خزندار، مثال مشرف للمرأة الناجحة، ظلت تستمع للحوار بهدوء وابتسامة تعلو محياها، هزت رأسها علامة الموافقة على العبارات التي نطقت بها السيدة ليان.. وجهت حديثي لها هذي المرة: “كتبت مرة مقالاً عن تكريم السعوديات خارج الوطن، وكنت أحد الأمثلة المشرفة التي استشهدت بها، وكم هو فخر كبير أن أكون معك اللحظة.” قالت بعد أن شكرتني بأدب جم: “أدين بالكثير لوالدي عابد خزندار، فهو من شجعني لإكمال دراستي في الخارج، لكن بعد أن أكملت دراستي كان من الصعب جداً العودة لأرض الوطن، وفضلت البقاء هنا.” مر طيف الخبر الذي قرأته قبل أسابيع حين كانت” منى” في زيارة لأرض الوطن وعند تجديد جوازها، طلبوا احضار (ولي أمرها) لاستلام الجواز. رغم أنها تتبوأ منصباً دولياً مهماً، ورغم الدرجة العلمية المرموقة التي تحملها مازالت منى وكل السعوديات نعامل كقاصر من قبل الجهات الرسمية السعودية.
تبعثرت عندها الأفكار بعد أن صعدت لأعلى القائمة مع النرويجيين، ثم هوت للأسفل مع واقع مرير ومستقبل مجهول.. وفكرة واحدة تدور في رأسي.. وستكون رفيقتي في السنوات القادمة..