مذكرات منقبة سابقاً


ماهو الشيء الذي تلبسه المرأة المسلمة طوال حياتها،  وتلبسه المرأة الغربية يوم زفافها، ينظر له الغرب أنه قمع للمرأة، وينظر له الشرق أنه حفظ للمرأة؟ هو أكثر قطعة ملابس أثارت جدلاً على مر التاريخ، لدرجة أن منعتها حكومات وفرضتها أخرى؟ نعم، إنه الحجاب بأي شكل كان، من أكثره تشدداً متمثلاً في (النقاب والبرقع) حتى أكثره انفتاحاً متمثلاً في الملابس المحتشمة للنساء بدون غطاء الرأس. هذا المقال ليس محاولة لشرح تاريخ الحجاب وعرض للمجموعات الدينية التي مازالت تفرض شكلاً معينا للباس على نساءها، من يهودية ومسلمة وحتى بعض الطوائف المسيحية الأرثودوكسية. هو فقط عرض بسيط لتطور الحجاب في وطني السعودية، البلد الثاني (بعد ايران) الذي يفرض بقوة عصا (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) شكلاً ولوناً معيناً للحجاب على جميع النساء، سعوديات وغير سعوديات، مسلمات وغير مسلمات. وعندما أذكر (عصا الهيئة) فأنا أعني أنه فعلاً لا يوجد قانون سعودي مكتوب يحدد هيئة ولون الحجاب.

 

السعودية بسبب اتساع مساحتها تحتوي على تنوع كبير من الثقافات واللهجات والمذاهب الإسلامية لكل منطقة من مناطقها. حتى السبعينات الميلادية لم يكن هناك فرض لشكل معين لملابس النساء، تجد النساء البدويات بملابسهن الزاهية وبراقعهن التي تظهر مقدمة شعر الرأس والعيون المكحلة، ونساء المدينة بعباءة (اللف) التي يلففنها حول الخصر، والنساء العربيات بحجابهن الملون، والنساء غير المسلمات بملابس محتشمة لكن بدون حجاب. أذكر النساء في قرية أبي (الطرفاء) الواقعة شمال  غرب مدينة مكة بملابسهن الزاهية وشراشفهن الوردية والبيضاء التي يلففنها حول الوجه، بدون تغطيته، مظهرات مقدمة شعر الرأس. حتى ضربت موجة التشدد الديني مجتمعنا، ودعمتها مؤسسات الدولة، فتم فرض عباءة الرأس السوداء وغطاء الوجه على جميع موظفات الحكومة، وجميع المدراس والجامعات. وفرض الحجاب الأسود على غير السعوديات بغض النظر عن دينهن ومذهبهن. في تلك الفترة كان من المستحيل في مسقط رأسي (مكة) أن ترى أي امرأة سعودية غير منقبة، كان كشف الوجه من التابوهات الإجتماعية والمحرمات الدينية. حتى أن مطويات الوعظ الديني التي انتشرت في تلك الفترة كانت تؤصِّل لفكرة أن غطاء الوجه هو ما يفرق المسلمة عن الكافرة. وقد وُجهت في فترة من حياتي عندما كنت منقبة بإتهام (الكفر) من طفلة في العاشرة من عمرها كانت تجلس بجانبي في الطائرة عندما رفعت نقابي لتناول وجبة الطعام.

 

تقول مقدمة احدى مطويات فترة الصحوة والتي تدعو للحجاب وتحذر من تركه:

“هدية للمرأة المسلمة

أختي المسلمة إنك اليوم تواجهين حرباً شعواء ماكرة، يشنها أعداء الإسلام بغرض الوصول إليك وإخراجك من حصنك الحصين، حتى قال بعضهم (علينا أن نكسب المرأة ففي أي يوم مدَّت إلينا يديها فُزنا بالحرام وتبدد جيش المنتصرين للدين) وقال آخر: (كأس وغانية تفعلان في تحطيم الأمة المحمدية أكثر مما يفعله ألف مدفع، فأغرقوها في حب المادة والشهوات). فكوني حذرة أختي المسلمة ولاتنخدعي بما يثيرونه من شبهات وشكوك وبما يرفعونه من شعارات. ومن المسائل التي يحاول أعداء الإسلام التشكيك فيها والقضاء عليها (مسألة الحجاب) حتى قال بعضهم: (لا تستقيم حالة الشرق مالم يُرفع الحجاب عن وجه المرأة ويغطى به القرآن)”

وتم تصدير نفس الفكر لخارج السعودية بدولارات النفط. أرجع بالذاكرة لأيام الحرب البوسنية عندما سيّرت السعودية قافلات إغاثة للمحاصرين في سراييفو كان المسؤولون على هذه القوافل يوزعون الحجاب على النساء مع كراتين الغذاء.

 

أصبح الحجاب الإسلامي في السعودية لا يصح إلا بغطاء الوجه والجسم بالكامل بالسواد، وعلى الرغم من أن النساء يبدين متطابقات تماماً لأي شخص من خارج السعودية، لكن السعوديين استطاعوا تطوير فراسة من نوع فريد جداً للتعرف على المرأة التي تقبع داخل ذلك السواد. كان أبي يعرفني من بين العشرات من الطالبات الواقفات خارج أسوار المدرسة أو الجامعة، ولم يخطئني يوماً مع فتاة أخرى، كما نتعرف على قريباتنا أو صديقاتنا إذا صادفنا إحداهن في السوق أو المسجد. تصبح لدينا حساسية كبيرة للصفات الأخرى كالصوت، طريقة لبس النقاب، العينين، المشية، وحتى نوع العباءة وحقيبة اليد والحذاء. ويجد الشباب طريقة للتعرف على سن الفتاة وقوامها من مشيتها فقط.

 

ثم جاءت فترة التسعينات الميلادية بقنواتها الفضائية وتلتها الألفية الثالثة بتطور وسائل التواصل من انترنت وهواتف نقالة، وتوفرت الخيارات أمامنا لقراءة الأقوال المغايرة للرأي الواحد الذي طالما تم تقديمه لنا على أنه وحده الذي يتبع منهاج النبوة ويمثل الإسلام الصحيح. وبدأ المجتمع المحافظ بطبعه بطرح التساؤلات والشكوك حول أمور تم فرضها كمُسلَّمات على الجميع بقوة الدين وبمباركة الدولة، وكان من أوائل هذه الأمور الحجاب بتفسيره الوهابي الضيق، لكن الأمر لم يكن بتلك السهولة. عندما قررت التوقف عن ارتداء النقاب في عام ٢٠٠٢، واجهت حرباً باردة مع عائلتي ومع المجتمع، إرتدت أمي النقاب في فترة الصحوة ومع ذلك لا ترتديه في سفرنا خارج السعودية، لكنها رفضت حقيقة أن ابنتها اختارت ألا ترتدي النقاب في السعودية والسبب كان اجتماعياً وليس دينياً (لن تتزوجي يا ابنتي إذا كشفتي وجهك). في مكة كانت النظرات المستهجنة تلاحقني إذا عرفوا في المكان أنني سعودية. كنت أؤدي الطواف في أحد الأيام، وكان المراقب الذي ينظم حركة الطائفين في صحن الحرم ينصحني بصوت عالي كلما مررت عليه وأنا أطوف (غطي وجهك يا مرة)، في المرة الثالثة نظرت إليه مباشرة وأشرت بأصابعي حولي (وكل هاتين المسلمات الطائفات وهن كاشفات هل هن عاصيات؟ أم كوني سعودية فقط؟)، توقف الشيخ عن نصحي في بقية الأشواط. وعلى الرغم أنني لا أرتدي النقاب في الشارع ومكان عملي، لكن كان علي استعارة نقاب صديقتي لدخول المحكمة، حيث لا يسمح للنساء بدخول المصالح الحكومية وخصوصاً المحاكم وهن كاشفات، وكان علي احضار معرفين ذكرين أحدهما أخي لتعريفي أمام القاضي على الرغم من وجود بطاقة الهوية معي.

 

قد يكون التغيير بكشف الوجه هو الأكبر الذي مر به المجتمع السعودي، لكن ذلك ليس التغيير الوحيد الذي تجرأت النساء على فعله مع الحجاب. بدأت مجموعة من فتيات (جدة) بفكرة ارتداء عباءات ذات ألوان مغايرة للون الأسود، فظهرت العباءات ذات الألوان الرمادية والكحلية والبني الغامق في جدة، وعندما ظهرت نفس الألوان في الرياض قامت الهيئة بشن حملة صادرت فيها العباءات الملونة من محلات العباءات، ولا أعرف كيف ستتعامل الهيئة مع العباءات زاهية الألوان إذا ظهرت. ولأجرب ذلك طلبت من المحل الذي أتعامل معه أن يفصل لي عباءة ملونة لكن صاحب المحل رفض بشدة: (إذا شوهدت عباءة ملونة في المحل سأتعرض للمسائلة والمضايقة من قبل رجال الهيئة)، لكن صديقاتي دللني على أحد المحلات التي تقبل تفصيل عباءات ملونة ويتم تسليمها للزبونة بالخفاء. التغيير الآخر كان في رمزية العباءة، فلم تعد مقتصرة على المعنى الديني أو الاجتماعي فقط، بل أصبحت العباءة تعامل كالأزياء تماماً، تظهر trends وتختفي كل فترة. وظهرت مصممات أزياء متخصصات في تصميم العباءات فقط ، يقمن عروض أزياء لعرض آخر التصاميم وتصل أسعار العباءات لعشرات الآلاف حسب شهرة المصممة ونوعية القماش والمواد المستخدمة في تطريز العباءة.  ظهرت أيضاً أنواع مختلفة للعباءات حسب كل مناسبة، عباءة للدوام تتميز بكونها عملية، وعباءة للسوق، وعباءة للمناسبات وتتميز بكونها مطرزة وفخمة، وحتى عباءات شتوية وصيفية.

 

وعلى الرغم من كل هذه التغييرات التي ذكرتها، تظل العباءة السوداء مفروضة بقوة الدولة. يقول المدافعون أن في ذلك حفظ للفضيلة وتأكيد على تطبيق الشريعة الإسلامية، لكنهم نسوا أن في فرض شكل معين من اللباس على فئة من الجتمع ماهو إلا سابقة لم تحدث في تاريخ الأمة الإسلامية، فلطالما كان شكل اللباس ولونه متروكاً للمجتمع الإسلامي مع البقاء على الحشمة بشكل عام. لذلك أجد فرض العباءة السوداء ماهو إلا تعطيل لسنة الحياة واعاقة للتطور الطبيعي الذي يحدث في طريقة وشكل اللباس التي طالما حدثت حسب حاجة الناس وتغير الظروف.

“بيدرو” البرازيلي و”عبودي” السعودي


Aboody & Pedro

مر أكثر من عام على مقالتي (تزوجي برازيلياً)، المقالة التي سببت لغطاً وألهمت مجموعة من السعوديات لإطلاق حملة (صورية) تحمل نفس الاسم، كما نشرت جريدة الاتحاد الإماراتية في حينه، تفاجأت أيضاً أن المقالة تُرجمت ونُشرت في عدد من المواقع الإنجليزية والإسبانية. لم تكن المقالة تروج للزواج من برازيلي بل كتبتها من باب الدعابة، بعد أن سمعت قصة طلاق المستشار البرازيلي الذي كان يعمل معنا في أرامكو، وأصابتني الصدمة حين قارنت بين قوانين الأحوال الشخصية في البرازيل وكيف أنها تقف بصف المرأة دائماً، وتحفظ حقوقها كاملة من نفقة وسكن وحضانة، وبين غياب قوانين الأحوال الشخصية في السعودية وتحيز الأنظمة للرجل في أحوال كثيرة، متخذين من أحاديث ضعيفة كحديث (أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ، مَا لَمْ تَنْكِحِي) في الحضانة أساساً لهذا التحيز.

من الطريف عزيزي القاريء أن نفس االمستشار البرازيلي، المذكور في تلك المقالة، هو زوجي اليوم. لذلك أتندر حين يسألني أحد عن زواجنا بمقولة: (رُبَّ مقالة خير من ألف خطّابة). وكم أحلم الآن أن أحمل نفس الابتسامة حين يسألني الأهل والأصدقاء عن طفلينا من زيجتينا السابقتين “بيدرو” و “عبودي”. فالحلم البرازيلي الذي يعطي المرأة كل شيء تهشم عندما علمت أن “بيدرو” يعيش مع جديه لأمه لا مع أمه، كما يعيش “عبودي” مع جدته لأبيه لا مع أبيه. يتم اقتطاع نفقة “بيدرو” وتودع في حساب والدته، لكن لا يصله منها أي ريال (عملة البرازيل). كان حلمنا بعد زواجنا أن نأخذ الأطفال لرحلة لديزني لاند في فلوريدا، وبعد أن أتممنا كل التجهيزات منعتنا ورقة الموافقة على السفر التي رفضت أم “بيدرو” توقيعها، وحصل نفس الأمر مع “عبودي”، وهي نفس الورقة التي تقف بينهما وبين أن يلتم شملنا يوماً في مقر عملنا وإقامتنا في دبي. بين دموع طفلينا وانكسارات قلبينا أنا وزوجي، لملمت أوراقي لأعيد كتابة رأيي في مسألة القوانين الشخصية. أعتذر مسبقاً من حواء فهذه المرة لست مع حقك في الحضانة، ولكنني لست مع الرجل أيضاً.

تنص القاعدة أن الحضانة حق للمحضون وأينما وُجدت المصلحة تذهب الحضانة. والقوانين وُضعت لتحفظ للناس حقوقها، وتحكم بينهم بالعدل. لكن ماذا إذا كان صاحب الشأن قاصراً فاقداً للتمييز بين أي الأمرين أصلح له؟ من سيقرر بالنيابة عنه؟ ألا يجب أن يقف القضاء بجانب الأطفال فيعهد بهم للأصلح، بغض النظر عن جنسه رجلاً أو امرأة؟ أو يحكم بالحضانة المشتركة فلا ينشأ الأطفال محرومون من حضن أم أو رأفة أب؟ كم من مرة استغل أحد الوالدين وجود القانون بصفه فاستخدمه ليسبب الحسرة والقهر للطرف الآخر، وقد أعمته الكراهية ولذة الانتقام عن رؤية الألم الذي يسببه لأطفاله أولاً، فيزيدهم هماً على هموم، لا تفهمها قلوبهم الصغيرة، وكأن الطلاق ذنبهم لا ذنب والديهم. إنها الآلام، التي ستظل ندوباً غائرة، تتجاوز طفولتهم إلى مراهقتهم، وسن رشدهم، وبقية حياتهم.  اليوم تضيع الطفولة، بين تحيز قوانين الأحوال الشخصية في الغرب للمرأة، وتحيزها في الشرق للرجل.

وقفة:

{ لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا } – القرآن الكريم

شفاه غليظة.. قصتي مع مقاييس الجمال أيام طفولتي


وقعت بين يدي مؤخراً عددا من الصور القليلة التي نجت من التقطيع أيام مراهقتي التي صادفت فترة الصحوة. لاحظت وأنا أقلبها عاملاً مشتركاً طريفاً.. كنت أبدو في كل صورة (زامة) شفتيّ وكأنني أكتم نَفَسي أو أمنع كلمات كنت على وشك قولها قبل أن أسمع (ثلاثة) التي تعلن وقت الضغط على زر التصوير. جلست أقلب الصور، ومعها ذكريات عشتها كمراهقة، أحبطتها مقاييس الجمال التي فرضها المجتمع حولها. فشفاه “ميرفت أمين” المنمنة كانت المقياس للشفاه الجميلة التي سقطت منه شفاهي الكبيرة التي ورثتها عن والديّ العزيزين. مقاييس الجمال في تلك الفترة من التسعينات كانت شيئا كالتالي: (بيضاء البشرة، الشعر ناعم وطويل، الشفاه منمنمة، الجسم ممتليء، الخ الخ). كنت العكس تماما (حنطية البشرة، شعر غجري، شفاه كبيرة، جسم نحيل، إلخ إلخ). كانت أمي تطلب مني أن أضم شفتيّ عند التصوير لأبدو أجمل! ولغبائي كنت أطيع.

هذه الطاعة استمرت فقط فترة مراهقتي، بعد تخرجي من المرحلة الثانوية ودخولي الجامعة أصبحت أتعمد التمرد على كل ما يقرره المجتمع حولي من مواصفات يعتمدها للجمال في نظره، ببساطة لأنني لن أمتلك يوماً شفاه ميرفت أمين ولا بشرة سعاد حسني، كان علي تعلم حب كل صفاتي الصحراوية بعيدا عن قوالبهم حتى لا أصاب بالإحباط. سأذكر قصة طريفة أخرى، كانت مباني جامعتي جامعة الملك عبدالعزيز بجدة متباعدة، وكنا نمشي فترات طويلة تحت الشمس لنلحق بالمحاضرات بين هذه المباني، ما يمنح البشرة سمرة تجدها الفتيات بشعة لأنها تخالف أول صفة في قائمة الجمال التي حفظنها، كنت أراهن يتبادلن النصائح حول الكريمات المبيضة، والكريمات الواقية من أشعة الشمس وحتى المظلات، وكن ابتسم في قلبي.

تدور الأعوام وتدور الأيام وبقدرة قادر أسمع صديقاتي يمتدحن سمرة بشرة الممثلة الفلانية وهل هي طبيعية من حمامات الشمس أم صناعية من كريمات التسمير. وكيف أصبحت شفاه أنجلينا جولي الكبيرة حلم النساء الذي يلاحقنه بحقن البوتكس، والشعر الغجري صار بجمال الشعر الناعم، والجسم الذي كان يُعتبر نحيلا أصبح مقياس الرشاقة الذي تروج له مجلات الموضة ومراكز ومنتجات الحمية.  كنت أسمع غير مصدقة، وفي قلبي شيء من الغضب، لأن كان علي سلوك الطريق الوعرة في تجاهل أنني لم أولد على مقاس القالب الجمالي الذي يرضاه مجتمعي.

إن مقاييس الجمال التي تعممها المجتمعات تكون في أحيان كثيرة متغيرة ومتأثرة بما يفتقدونه، فالسمراء أجمل في بلاد الشقر الماطرة والبيضاء أجمل في بلاد الصحراء المشمسة، لكن المقاييس مهما تغيرت وتبدلت فإن الصفات الجسمانية التي وهبنا الله إياها لن تتغير، وحتى محاولات تغييرها بالجراحات البلاستيكية مكلفة ومؤلمة وقد لا تنجح أحيانا، فنشوه أنفسنا بدلا من أن نجعلها تتوافق مع مقاييس تأتي ثم تذروها الرياح.

تعلمت بعد كل تلك السنين وبعد كل تلك الدموع أن أحب نفسي كما أنا، لا كما يوافق هوى الناس ومقاييسهم.. فأهوائهم متغيرة.. لكن سمرتي و جبهتي الواسعة وشفاهي الغليظة باقية..

٢٦ أكتوبر.. والكذبات الخمس


BXamd7uIAAAGmBk

في شهر واحد شاهدنا أول فيلم سعودي واقعي عشنا إثارته لحظة بلحظة اسمه (رُهاب المرأة)، ولو للمرأة اليوم أن تفخر عليها أن تفخر أنها كشفت بهذا التاريخ خمس كذبات عظيمات:

الكذبة الأولى: كذبة الذئاب البشرية، التي أشبهها بسعلوة جدتي التي كانت تخوفنا بها صغاراً حتى لا نخرج من البيت. فلا السعلوة أكلتنا ولا جدتي أقنعتنا.

الكذبة الثانية: كذبة مجتمع الفضيلة الذي يجب أن يمثل الإسلام بالنيابة عن العالم الإسلامي ولم يترك مسبة ولا قذف ولا اتهام لم يلصقه بمن طالبت بحق القيادة (طيب أتركوا لكم خط رجعة لما تجي بنتك بكرة تزاحمنا أو تزاحمينا يا معارضة في الشوارع) آخذاً بذلك إثمها، وإثم كل مسلمة تقود سيارتها في هذا العالم الرحب، خارج حدود مجتمع فضيلتهم.

الكذبة الثالثة: كذبة الأمن والأمان. إذا كانت امرأة خلف مقود سيارة ستزعزع أمن بلد كامل، راجع نفسك! أهو خوف على المرأة أم خوف منها؟

الكذبة الرابعة: الحكومة تقدمية والمجتمع متخلف أوغير جاهز، وبقية التصريحات البراقة التي تخرج للإعلام الخارجي، عن رغبة الحكومة في تمكين المرأة واعطائها حقوقها الكاملة، لكن المجتمع (وِحشين مو وجه نعمة).

الكذبة الخامسة: وهي أهم كذبة في رأيي كذبة القيادة شأن اجتماعي، بل هي شأن سياسي محض، يقرره السياسي. سقطت هذه الكذبة أخيراً بعد أن صدر بيان وزارة الداخلية الأخير وذلك بعد غموض ثلاث سنوات، وصدحت كل المنابر أمس في خطب الجمعة انصياعاً لهذا الأمر. وبالمناسبة شكراً بسبب هذا البيان الكل خرج للنور أخيراً! الآن الكل يلعب عالمكشوف لأول مرة.

الحقيقة الوحيدة وسط كل هذا الزيف أن قوة المرأة السعودية عاتية، قوية، كاسحة، هي لم تدرك قوتها بعد، لأنها مازالت تناضل في أرض المعركة. لم أشهد حركة حقوقية واحدة أو حملة واحدة تحدث كل هذا الضجيج وتصبح قضية رأي عام وتحرك المياه الراكدة وتجعل حتى الحجر ينطق أخيراً، بكل هذا الزخم والعنفوان والصدق. هزمتهم حتى أن الرؤوس دارت، ولفت.. هم الآن يدورون يفترون يكذبون زوراً وبهتاناً بعد أن أعيتهم الحيل.. يلصقون تهم التجمعات والتظاهرات، يخترعون استفتاءات يغيرون نتائجها بما توافق هواهم، ينشرون الإشاعات لترهيب المجتمع.. أي دين وأي فضيلة بربكم! الحق لا يحتاج لكل هذا الصراخ والزيف والكذب.. هذا اليوم كشف حتى المتلونين، من هم يوم معك ويوم ضدك، كل حسب مصلحته..

شكراً ٢٦ أكتوبر.. كم أسقطت من أقنعة..

علمونا صغاراً
أن الدين بفهمهم فقط
هو الدين الصحيح
وهو الذي كرم المرأة عن الجاهلية

ونكتشف كباراً
أن هناك ديناً
خارج حدود السعودية

وأن المرأة عندنا تعيش حياةً
لاترضى بها حتى نساء الجاهلية

كيف أحمي حساباتي من السرقة عن طريق الاصطياد الإلكتروني؟


facebook_phishing_scams

هل تصلك إيميلات تبدو بريئة جداً من المواقع التي تستخدمها، سواء الإيميل أو الفيسبوك أو تويتر. حيث تبدو الإيميلات وكأنها مرسلة فعلاً من هذه المواقع. وفي كل مرة هناك قصة جديدة في الإيميل لكن كل القصص تنتهي بطلب واحد

(اضغط الرابط التالي لإدخال بياناتك)

 هنا مثال على ايميل وصلني اليوم، يخبرني أن المساحة التخزينية المتاحة لي من الجيميل قد امتلأت وللحصول على المزيد عليّ أن أدخل بياناتي على رابط موجود في الإيميل (لاحظوا أنني مسجلة الدخول على ايميلي أصلاً):

Phishing-email

 عند الضغط على الرابط ستفتح لك صفحة مطابقة لصفحة دخول الجيميل، يبدو كل شيء طبيعي جداً لكن إذا لاحظت خانة العنوان ستجد الرابط مختلف عن صفحة الجيميل https://www.gmail.com

1

هنا صورة أوضح لخانة العنوان:

هذه الإيميلات هي مايسمى الاصطياد الإلكتروني أو Phishing، وهي:

عملية إرسال إيميل زائف يدعي أنه من مؤسسة أو جهة شرعية بهدف الاحتيال على المستلم للحصول على معلومات شخصية مثل كلمة السر أو رقم الحساب البنكي بهدف سرقة الهوية. هذا الإيميل يحاول توجيه المستلم إلى موقع الكتروني مزيف مشابه للموقع الأصلي في الواجهة وربما يشابهه في الاسم أيضا ثم يطلب منه بعد ذلك تحديث أو تأكيد بياناته الشخصية بهدف سرقتها.

وللحماية من هذه الطريقة في سرقة حساباتك ماعليك إلا اتباع هذه الخطوات البسيطة:

1- لا تثق في أي شخص لمشاركة معلوماتك السرية

2- تذكر لن يُطلب منك أبدا بياناتك الشخصية عن طريق الإيميل

3- أكتب بنفسك عنوان الموقع عند التسجيل للدخول لأي من حساباتك

4- لا تدخل بياناتك الشخصية إذا كان الموقع لا يستخدم https، لتعرف ذلك تحقق من أن خانة العنوان في المتصفح عليها صورة (قفل) والعنوان يبدأ بـ https://

5- استخدام متصفح ذكي قد يساعد في التنبيه عند الدخول لمواقع مشبوهة، لكن لن يعطيك حماية كاملة ضد الروابط الجديدة

6- استخدم دائماً الخاصية الثنائية للدخول لحساباتك، كربط الحساب بالجوال

7- قم بالإبلاغ عن الروابط المشبوهة فوراً ليتم حجبها:

http://www.google.com/safebrowsing/report_phish/

هنا نفس الرابط بعد التبليغ عنه:

أهم ما يجب أن تعرفه أنه مهما كنت حذراً واستخدمت كلمات سر معقدة وغيرتها دورياً وحتى استخدام كلمات سر مختلفة لكل حساب، كل ذلك لن يحميك من سرقة حسابك بهذه الطريقة، لأن المحتال هنا لا يحاول اختراق الموقع الذي يقدم لك الخدمة (البنك أو الإيميل) إنما يتوجه للحلقة الأضعف دائماً وهي المستخدم (أنت).  فالاصطياد الإلكتروني يجعلك تعطي كلمة السر بكامل رضاك للمخترق.

.الأمر الآخر المهم، استخدم دوماً الخاصية الثنائية للتعريف بالهوية عند الدخول لأي من حساباتك، وهذا الخيار متوفر في معظم المواقع المشهورة كـ: جيميل وفيسبوك وتويتر، وبذلك يستحيل على أي مخترق الدخول لحساباتك حتى لو سرق كلمة السر.

 مثال على الخاصية الثنائية للتعريف بالهوية (تطبيق Google Authenticator)

تستطيع الحصول عليه من متجر الأبل ومتجر جوجل وتثبيته على هاتفك الذكي وربط الكثير بالحسابات بهذا البرنامج، كـ: جيميل، وردبرس، دروب بوكس وغيرها الكثير

fixed-google-authenticator

بعد ربط التطبيق بحسابك، ستحتاج كل مرة لكلمة السر بالإضافة للرقم الذي سيظهر في التطبيق للدخول لحسابك

Google-Authenticator

ليته رقص عارياً


التاريخ: قبل أربعة أعوام وبالتحديد في تشرين الثاني (نوفمبر) 2009، المكان: مجلس الشورى. الخبر: «لجان الشورى تدرس نظام الحماية من الإيذاء» الهادف إلى ضمان توفير الحماية من الإيذاء في مختلف أنواعه من خلال الوقاية، وتقديم المساعدة والمعالجة والعمل على توفير الإيواء والرعاية الاجتماعية والنفسية والصحية المساعدة، كما يتضمن النظام الإجراءات النظامية اللازمة لمساءلة المتسبب ومعاقبته، وتوعية أفراد المجتمع بحقوقهم الشرعية والنظامية.

*التاريخ: فبراير 2012 المكان: مستشفى الشميسي في الرياض. الحدث: أحدهم يدخل طفلته ذات الأعوام الخمسة المستشفى في حال غيبوبة، التشخيص: نزف في الرأس نتيجة لتعرضها لكسر في الجمجمة، كسر مضاعف في يدها اليسرى، كدمات في أجزاء متفرقة من جسمها، آثار حروق بسبب تعرضها للكي في أماكن حساسة. عند سؤاله ادعى أنها سقطت أثناء اللعب، خرج الرجل ولم يعد، تاركاً طفلته (لمى) جسداً مسجى بلا أثر للحياة. مجلس الشورى ما زال يناقش نظام الحماية من الإيذاء.

*التاريخ: مايو 2012 المكان: أحد مدن السعودية. الحدث: فيديو لشخص يعذب قطة ويقطع ذيلها. خلال أسبوعين تُصدر وزارة الزراعة والثروة الحيوانية نظاماً يجرم تعنيف الحيوانات. العقوبات تصل للحبس ٥ أعوام وغرامات تصل إلى مليون ريال. ومجلس الشورى ما زال يناقش نظام الحماية من الإيذاء للبشر ويوافق عليه أخيراً.

*التاريخ: بعد مرور 9 أشهر على دخول لمى في غيبوبة في ٤ نوفمبر 2012 الموافقة لليلة عرفة من حج 1433هـ. المكان: مستشفى الشميسي في الرياض. الحدث: «لمى تفارق الحياة متأثرة في جراحها». أحد أسباب الوفاة الرئيسة هو تشخيص طبي خاطئ من أحد الأطباء المقيمين، إذ أعطى أمراً بإخراج «لمى» من العناية المركزة إلى غرفة الأصحاء، على رغم حاجتها الشديدة للبقاء، متجاهلاً التقارير الطبية كافة، وآراء الأطباء المسؤولين تجاه حالها. بعد خروجها من العناية تعرضت لانتكاسة فورية لم تمهلها يوماً كاملاً حتى فارقت الحياة!

ظل جسدها في ثلاجة المستشفى أربعة أشهر قبل أن يوارى التراب، وفاتها هيجت الرأي العام، وتصاعدت مطالبات بسنّ قانون يجرم التعنيف. نظام الحماية من الإيذاء تمت مراجعته لغوياً وأدبياً، ونقله من كراسة الكشكول، وطباعته إلكترونياً عبر برنامج «أوفيس وورد»، وخلل في أجهزة حاسوب مجلس الشورى يعطل العملية.

*التاريخ: فبراير 2013 المكان: محكمة حوطة بني تميم. الحدث: تسرب أخبار بأن قاتل لمى والدها «الداعية» الذي سيحكم عليه بدفع الدية للأم فقط. الخبر سبب موجة غضب عارمة في الشارع السعودي، وتصاعدت المطالبات بالقصاص. ما زال نظام الحماية من الإيذاء في البريد الصادر في مكتب مجلس الشورى، لنفاد طوابع البريد.

*التاريخ: أغسطس 2013 المكان: مجلس الوزراء. الخبر: وصول نظام الحماية من الإيذاء الجسدي في 3 صفحات كاملة من 17 مادة، سقط منها في الطريق مسميات الجهات المختصة وطرق التواصل معهم وطريقة تطبيق النظام، المهم وصل النظام. و«مجلس الوزراء يوافق على النظام»، العقوبات على الإيذاء الحبس من شهر حتى عام والغرامات من 5 آلاف حتى 50 ألف ريال، ومطالبات شعبية لوزارة الزراعة والثروة الحيوانية بالمساواة في العقوبات والغرامات مع «القطط» و«النياق» منعاً للإحراج.

*التاريخ: الخميس الماضي 3 أكتوبر. المكان: القصيم. الخبر: «الحكم على أربعة شبان رقصوا عراة في أحد شوارع بريدة بالسجن يصل مجموعها إلى 23 عاماً و4200 جلدة وغرامات مالية».

*التاريخ: البارحة، الثلاثاء 8 أكتوبر. المكان: محكمة حوطة بني تميم. الخبر: «الحكم على قاتل ابنته المعنفة لمى بالسجن 8 أعوام و600 جلدة».

*التاريخ: وقت كتابة هذه المقالة. المكان: عقلي الباطن. الحديث: «ليتها كانت قطة.. ليته رقص عارياً حين قتلها».

نشرته الحياة

عشرة أشياء تمنيت لو تعلمتها من أمي


الأول: الوعي هو وقود التغيير. في مجتمعاتنا العربية الوعي بحقوقكِ كامرأة هو مسؤوليتكِ «أنتِ»، لا تنتظري من مجتمع ذكوري أن يعلمكِ حقوقكِ كما علمكِ واجباتكِ تجاه الرجل والمجتمع، لا تقبلي التعلم بـ«التلقين»، فهو كالجهل تماماً، اقرأي المُخالِف، اسمعي الرأي الآخر، تساءلي عن الممنوع، في النهاية استفتي «قلبكِ» ولو أفتوكِ.

الثاني: أنتِ راشدة، ولو قالوا غير ذلك. ببلوغك سنّ الرشد أنتِ مسؤولة عن نفسكِ كما أنتِ محاسبة عن تصرفاتكِ، لا تطلبي الإذن في شؤونك، فقط مِلك اليمين من لا تملك أمرها، أنتِ امرأة حرة في مالكِ وحياتكِ وقراراتكِ، ماذا ستدرسين؟ أين ستعملين؟ من ستتزوجين؟ هو شأنك «وحدك»، ولمن حولك إبداء المشورة لا فرضها.

الثالث: تستطيعين عمل أي شيء، لكن لن تستطيعي عمل كل شيء. استقلي مادياً، وكوني الأفضل في ما تصنعين، ووقتها ستخلقين التغيير في حياتكِ سواء من خلال عملك أم موهبتك كالكتابة، الفنون الجميلة، التصوير الفوتوغرافي وغيرها. لكن لا تحاولي أن تكوني المرأة الخارقة، تذهب إلى عملها، وتدير بيتها، وتهتم بعيالها من دون أن يشارككِ الرجل المسؤولية.

الرابع: لن تتغير عائلتكِ في تعاملها معكِ إلا إذا تغيرتي أنت. إذا تغيرت شخصيتكِ ستكتشفين مع الوقت أن دائرة التأثير حولك ستتغير تباعاً، لا تتوقعي أن يتغير من حولك إذا لم تتغيري أنتِ أولاً، كما لا يمكن أن تتوقعي احترامهم وأنتِ ما زلتِ تشكين في قدراتكِ.

الخامس: يؤخذ باللين ما لا يؤخذ بالشدة. لدى كل أنثى سحرها الخاص مهما كان عمرها أو ثقافتها أو جمالها، لكن الكثيرات لا يدركن هذا السر. الابتسامة الواثقة واحترام الآخر مهما اختلفتي معه مع القليل من خفة الدم وتهوين المشكلات سيفتح لك العقول المغلقة. الغضب والعدوانية عند نقاش حقوقكِ أو مطالبكِ مع الآخر ستبني بينكما حائط صد، احرجي من يحاربك بابتسامتكِ، وشوشي عليه بكرم أخلاقكِ.

السادس: ما تحاربين من أجله اليوم ستنعم به ابنتكِ غداً. كون التغيير في مجتمعاتنا بطيء لا يعني أنه لا يحدث. فالتغيير الفعال يجب أن يقوم على اقتناع ومساندة دائرة التأثير من حولك، والتغيير الفعال يحتاج أيضاً إلى الكثير من طول النفس وسعة الصدر والرؤية الممتدة لأعوام حياتنا كلها. وتذكري أن أي حق تفرطين فيه اليوم، ستحرمين منه ابنتكِ وحتى حفيداتكِ غداً.

السابع: الجبهة الأمامية من سيدفع الثمن الأكبر. كما أن الطفل الأول هو من يدفع ثمن تجارب والديه في تربيته، فالمبادرون في أي مجتمع هم من سيدفعون الثمن الأغلى، لكن تضحياتهم ستمهد الطريق إلى من بعدهم. هل كونكِ مثلاً أول من تم ابتعاثه في العائلة ونجحتِ، ألم يفتح ذلك الباب أمام الأخريات؟

الثامن: لا تجعلي الرجل محور حياتكِ بل شريك حياتكِ. المرأة العربية تقضي حياتها في انتظار ذلك الفارس الذي ينتشلها من بؤس عادات القبيلة، وقد يأتي وينقلها إلى بؤس «آخر»، وقد لا يأتي يوماً، فتضيع زهرة أيامها في صالات الانتظار.

التاسع: ما أنت إلا قطرة في بحر، في المجتمع، في العمل، في المجال العام تظهر غيرة النساء من الناجحة، فيحاربنها بدلاً من دعمها. متى ما فهمت النساء أننا منظومة واحدة وتجاوزن الغيرة المرضية سيرين أن نجاح إحداهن ما هو إلا نجاح للبقية.

العاشر: شاركي قصتك. لا تخجلي من التحدث عن تجاربكِ الشخصية، سواء الناجحة أم الفاشلة أمام الأخريات، صعوبات نجحتِ في تجاوزها، وأصبحتِ في حكم الماضي، قد تكون هي نفسها الصعوبات التي تمر بها غيركِ، لا تستهيني بقوة القصص الشخصية، فكم غـــيرت من حيوات، وكم ألهمت من نساء.

نشرته الحياة

الأربعاء ٢ أكتوبر ٢٠١٣

المرض الخليجي!


في تعليق وصلني من القارئ راشد المنجم، المبتعث السعودي في كلية بيتس الأميركية على مقالة «هل يتغير العالم من أجلنا؟» التي ذكرت فيها انزعاج أحد المحررين الذين عملت معهم من «كسل الشعب الخليجي الذي لا يعمل أكثر من أربع ساعات ولا يحترم الوقت»، والكلام للمحرر، جاء في التعليق أن هذه أعراض المرض الهولندي Dutch Disease أو لعنة الموارد، وهو مصطلح استخدمته مجلة “الإيكونوميست” عام ١٩٧٧، لتصف حالاً أصابت الاقتصاد الهولندي في ستينات القرن الماضي، حين تم اكتشاف موارد طبيعية مهولة، جعلت اقتصادهم يعتمد كلية على ريع هذه الموارد على حساب الصناعة والتنمية الاقتصادية، أدى ذلك إلى ارتفاع العملة، وهو ما جعل الدولة تعتمد على الأيدي العاملة الأجنبية والاستيراد على حساب المنتج الوطني، فشهدت هولندا ارتفاعاً في الإنفاق الاستهلاكي البذخي ومعدلات البطالة، لتتسبب بمجموعها في حال من الكسل والتراخي الوظيفي، والاتكالية على الدولة لكسب المعيشة أو كما وصفه بروفيسور الاقتصاد جوزيف ستغليز «بأوطان غنية ومواطنين فقراء، ومزيد من العوائد المالية وقليل من فرص العمل».

سترى وجه التشابه المخيف عندما تقرأ أكثر عن المرض الهولندي، لا نحتاج إلى مجلة «الإيكونوميست»، لتطلق مصطلح المرض الخليجي Gulf Disease، لتصف الحال الاقتصادية، السياسية، الاجتماعية، الدينية التي تمر بها بعض دول الخليج النفطية اليوم. أعراضها دول ريعية، تضعف أو تختفي فيها مؤسسات المجتمع المدني لحساب مركزية السلطة، سوء إدارة بل واستنزاف للموارد، تردد في اتخاذ القرارات المالية وكثرة إلغاء المشاريع، بسبب التذبذب في أسعار النفط، فساد في المؤسسات، بسبب وفرة الموارد السهلة، ظهور طبقة المنتفعين الذين يحصلون على التسهيلات والهبات، وتفشي ثقافة الإتكالية والاستهلاك البذخي على ثقافة المنافسة والإبداع والإنتاجية.

في أحد اجتماعات العمل التي تحدث فيها رئيس شركة النفط العربية أرامكو السعودية خالد الفالح عام ٢٠١١، ذكر بالكثير من الفخر كلمات الملك عبدالله له عن عظم الأمانة الملقاة على عاتق أرامكو، المسؤولة عن ٩٣ في المئة من مدخول الدولة (٨٦ في المئه بحسب التقديرات الحالية). لم أشاركه يومها الفخر بل الكثير من القلق، على رغم تأكيداته يومها أن أرامكو تسعى إلى تنويع مصادر الدخل بالاستثمار في مجال الصناعات البتروكيماوية، لكنها هي الأخرى معتمدة على النفط! وكلما أبدى الاقتصاديون انزعاجهم عندما تزيد السعودية من إنتاجها للنفط، لتغطي الحاجة المتزايدة للأسواق العالمية، يرد النفطيون أن هناك المزيد من الحقول غير المستغلة التي ستكفينا لجيل أو جيلين، متناسين أنه مع الازدياد المطرد في الاستهلاك المحلي للنفط المدعوم من الدولة سيجعلنا نستهلك كل النفط الذي ننتجه بحلول عام 2030 بحسب تقرير «سيتي جروب».

كما أنه من هنا حتى ذلك اليوم قد تظهر بدائل للنفط، تلغي أهمية أكبر مصدر للدخل عندنا. للأسف حتى اللحظة، لا يوجد لدينا أية بوادر لتخطيط استراتيجي يدير موارد النفط المهولة كما فعلت النروج مع ثروتها النفطية، إذ تعلمت الدرس وأنشأت الصندوق السيادي للنفط، لتجنب تأثيرات المرض الهولندي.

كتب حمزة السالم في مقالة «المسكوت عنه» المنشورة في «الجزيرة« العدد 14415 عن موضوع هذه المقالة:

«النفط نعمة إذا ما استُخدم كمسكن، وهو نقمة إذا ما استخدم كمُخدر، وما أشد ألماً من فقر بعد غنى، وذلاً بعد عز، وذاك على شخص واحد نفسه، فكيف يكون الألم إذا كان تغيُر الحال على أمة من الأمم وفي عمر لا يتجاوز قرناً من الزمان».

نشرته الحياة

آدم… لا تقرأ هذه المقالة


في العام ٢٠٠٢ في مبنى أرامكو المساعدية في مدينة جدة، وقَّع والدي أوراق الموافقة على التحاقي بالعمل في مكتب أرامكو الرئيس في الظهران الذي يبعد ١٤٠٠ كيلومترات عن منزل عائلتي في مكة. «موفقة يا بنتي، أرامكو فخر العمل معهم»، كانت تلك كلمات والدي الحانية التي تلت توقيعه للأوراق. استقبلتنا أمي في المنزل بالكثير من البهجة المغلفة بالقلق: «ستسكنين بعيدة عنا! ماذا سنقول للناس؟». على رغم قلق أمي كنت سعيدة جداً، وعندما بلغ الخبر بعض زميلات دُفعتي، وصلني اتصال من إحداهن: «متأكدة أنك ستعملين مع رجال؟ لن تتزوجي إذاً أبداً».

عزيزتي حواء، هل يبدو هذا الجانب من قصتي مشابهاً لما مررتي أو ما زلتِ تمرين به في حياتك؟ أعني قراراتك المصيرية تعتمد على موافقة الرجل حتى بعد بلوغك سن الرشد، وحتى وإن وهبك الله رجلاً متفهماً وداعماً، ستتولى النساء في عائلتك مهمة القلق من كلام الناس ونظرتهم، وتتولى صديقاتك مهمة «التنغيص» عليك، وتذكيرك بأن أي قرار في حياتك يجب ألا يتعارض أو يقلل من فرصك في الزواج.

مرت أكثر من 10 أعوام على هذه القصة، أحمد الله أن الأعوام الأخيرة التي ابتعثت فيها الآلاف من بنات الوطن أثبتت أن المرأة السعودية تستطيع أن تكون كائناً مستقلاً مستحقاً للثقة بلا وصاية. لكن تظل معضلة الوصاية داخل أرض الوطن تؤرق الكثيرات، فلا القوانين تغيرت، ولا نظرة الرجل باستحقاق الوصاية على امرأة بالغة عاقلة راشدة تغيرت، ولا المرأة تغيرت نظرتها عن نفسها بتصديقها أنها ناقصة الأهلية، بحاجة إلى رجل يقوم باتخاذ القرارات نيابة عنها، ولا تتخذ قراراً إلا بإذنه حتى لو كان خروجها من البيت! ولا ألوم الرجل، فما دام القانون والخطاب الديني يجتمعان على منحه دور الوصي الولي، فكيف له أن يخلع طائعاً ثوب «الحاكم بأمره»؟ لكنني ألوم المرأة التي ما زالت تعيش الكذبة، ولم تبحث عن الحقيقة الغائبة والمغيبة، فما زالت تصدق الفتاوى والأحكام التي تقلل من شأنها وتهينها بلا تساؤل: «كيف كرم الإسلام المرأة عن وضعها في الجاهلية، وهي الآن تعيش وضعاً لا ترضاه حتى نساء الجاهلية»!

وعلى رغم أنني اتخذت قرارات في حياتي لأخرس الناس عن الكلام، وندمت عليها لاحقاً أي ندم، لكنني خرجت من تجربتي بدروس سأكتبها لتقرأها ابنتي بعدي، إن وهبني الله ابنة:

«يا بنيتي، بلغتي اليوم سن الرشد، كنت وأبيك معك، نوجه ونربي ونرشد، واليوم أنت شخص مستقل، فليس لنا عليك إلا إبداء الرأي، إن جئت يوماً لنا طالبة النصيحة، ستتخذين قرارات خاطئة، وستمرين بتجارب فاشلة، ستمرين بضغوط وإحباطات ممن حولك، لكن الخبر السعيد أن كل ذلك من سنن الحياة، لا تقفي على الفشل طويلاً، فما هو إلا درس يعدك لما هو أجمل، لا تأخذي رأيي كمسلمات، ابحثي عن الحقيقة بنفسك، فكم من أمور ظننت أنها الحقيقة المطلقة، هدمها كثرة القراءة والانفتاح على سماع الرأي المقابل، لا شيء يدفع على التغيير، ويمنحك الثقة مثل المعرفة، الناس عندنا سيتكلمون حين تحاولين، وسيحسدون حين تنجحين، وسيشمتون حين تفشلين، فلا تعيري كلامهم بالاً، عيشي لما تؤمنين به، لا لما يؤمن الناس أنه الأفضل لك، فلن يكونوا معك عند حاجتك إليهم، فلماذا تهتمين بكلامهم أصلاً؟ استقلي مادياً عني وعن والدك وعن كل رجل، تملكين حياتك ورأيك، لكن أهم درس أبثه لك ألا تجعلي الرجل فَلَكاً تدورين فيه، بحاجتك الدائمة إليه، ستكونين عبئاً يهرب منه لا إليه، باختصار لن تكتملي بوجوده إن لم تكتملي بغيابه، حبي الكبير».

نشرته الحياة

«اسرق ولا تخف»!


كان مساء الخميس الماضي مزدحماً بالسرقات الـ«تويترية» لحسابات عدد من الكتاب والشخصيات العامة، في البداية توقعت أنها ثغرة جديدة لم تنتبه لها إدارة «تويتر» كما هو معروف عن هذا الموقع الشهير، إذ تجاهل تحذيرات خبراء أمن المعلومات لفترة طويلة في ضرورة توفير طرق الحماية الأساسية التي توفرها جميع المواقع الأخرى، وهي تأكيد الهوية بالطريقة الثنائية: كلمة المرور، إضافة إلى رمز مرور، إما يتم إرساله كرسالة نصية إلى جوالك أو تحصل عليه من جهاز التعريف الآمن.

ظلت «تويتر» تتجاهل تقديم هذه الخدمة على رغم ارتفاع شعبية هذا الموقع وزيادة أهميته حول العالم، فلا تجد منظمة أو صحيفة أو قناة أو شخصية عامة إلا وهي موجودة على «تويتر».

حتى أن «تويتر»، وبمساعدة وسائل التواصل الاجتماعي الأخرى، أصبح منبر الشعوب ومنصة إطلاق الثورات، يُسقط زعماء دول، ويقيل حكومات!

ثم حدثت الحادثة الأشهر في نيسان (أبريل) الماضي، حين تمت سرقة حساب لـ «أسوشيتد بريس» الأميركي لخدمات الأخبار في «تويتر»، وقام سارق الحساب بإرسال تغريدات عن تفجيرات في البيت الأبيض وإصابة الرئيس الأميركي.

أدت هذه التغريدات المزيفة إلى هزّ الأسواق المالية الأميركية، وقدرت خسارة السوق بنحو 136 بليون دولار، بعدها تنازل موقع «تويتر»، وقدّم خدمة تأكيد الهوية بالطريقة الثنائية، بعد أن أدرك أنه سيخسر الكثير إذا خسر ثقة مستخدميه.

نعود إلى السرقات الـ«تويترية» هذا الأسبوع التي وللمفاجأة لم تحدث لوجود ثغرات في الموقع بل ما يُسمى بالهندسة الاجتماعية أو social engineering، وهي الاحتيال على الآخر، ليفضي لك بمعلومات سرية وبكامل إرادته، ظناً منه أنك مخول للحصول على هذه المعلومات.

ما حدث أن السارق قام بإرسال رسائل «اصطياد» أو phishing بها رابط، وتدعو الضحية لقراءة مقالة مهمة، ولا عجب كون كل من استهدفهم السارق كتاباً، فعند الضغط على الرابط تفتح صفحة «تويتر»، وتطلب إدخال المعرف وكلمة المرور. الصفحة مزورة ولا تعود إلى «تويتر»، واستخدمها السارق في الحصول على كلمات المرور للضحية، كل من نسي ربط حسابه بالجوال تمت سرقة حساباتهم، ولم تعد إلا بعد صداع مع فريق الدعم الفني البطيء لـ«تويتر».

الدرس الأول استخدم دوماً الخاصية الثنائية للتعريف بهويتك، فدرهم وقاية خير من قنطار علاج، والدرس الثاني لا تفصح بمعلوماتك السرية عند الدخول على الموقع من رابط خارجي، اذهب إلى الموقع دوماً بالطريقة الآمنة، اطبع اسم الموقع بنفسك في خانة العنوان في المتصفح.

الآن نحن أمام غريمين، الأول موقع «تويتر» الذي تزداد مسؤوليته بازدياد أهميته وشعبيته التي يقابلها عادة بالتجاهل، ناسياً أن الكثير من المواقع التي كانت شعبيتها تطبق الآفاق تحوّل عنها مستخدموها عندما أصابهم الإحباط من تجاهل رغباتهم، وأهمها تقديم خدمة آمنة تحفظ سرية معلوماتهم. والغريم الثاني هذا السارق، تنص المادة الثالثة من «وثيقة الرياض للقانون الموحد لمكافحة جرائم تقنية المعلومات لدول مجلس التعاون» على: «كل من دخل عمداً وبغير وجه حق إلى موقع أو نظام المعلومات الإلكتروني أو تجاوز الدخول المصرح به أو البقاء فيه بصورة غير مشروعة يعاقب بالحبس والغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين».

لم تصدر لائحة تنفيذية مع هذا النظام تشرح طريقة الإبلاغ عن الجرائم المعلوماتية والجهات المختصة، ومع غياب تطبيق صارم وسريع لمثل هذه القوانين ستظل حبراً على ورق، وسيتجرأ المزيد من القيام بهذه الأعمال غير القانونية طالما أمنوا العقوبة. ببالغ الأسف نصيحتي للقارئ الكريم أن يعتمد على نفسه لحماية «نفسه» عند الدخول للعوالم الافتراضية، و«ما حك جلدك مثل ظفرك»، فتولَّ أنت جميع أمرك.

نشرته الحياة

الأربعاء ٤ سبتمبر ٢٠١٣