مذكرات منقبة سابقاً


ماهو الشيء الذي تلبسه المرأة المسلمة طوال حياتها،  وتلبسه المرأة الغربية يوم زفافها، ينظر له الغرب أنه قمع للمرأة، وينظر له الشرق أنه حفظ للمرأة؟ هو أكثر قطعة ملابس أثارت جدلاً على مر التاريخ، لدرجة أن منعتها حكومات وفرضتها أخرى؟ نعم، إنه الحجاب بأي شكل كان، من أكثره تشدداً متمثلاً في (النقاب والبرقع) حتى أكثره انفتاحاً متمثلاً في الملابس المحتشمة للنساء بدون غطاء الرأس. هذا المقال ليس محاولة لشرح تاريخ الحجاب وعرض للمجموعات الدينية التي مازالت تفرض شكلاً معينا للباس على نساءها، من يهودية ومسلمة وحتى بعض الطوائف المسيحية الأرثودوكسية. هو فقط عرض بسيط لتطور الحجاب في وطني السعودية، البلد الثاني (بعد ايران) الذي يفرض بقوة عصا (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) شكلاً ولوناً معيناً للحجاب على جميع النساء، سعوديات وغير سعوديات، مسلمات وغير مسلمات. وعندما أذكر (عصا الهيئة) فأنا أعني أنه فعلاً لا يوجد قانون سعودي مكتوب يحدد هيئة ولون الحجاب.

 

السعودية بسبب اتساع مساحتها تحتوي على تنوع كبير من الثقافات واللهجات والمذاهب الإسلامية لكل منطقة من مناطقها. حتى السبعينات الميلادية لم يكن هناك فرض لشكل معين لملابس النساء، تجد النساء البدويات بملابسهن الزاهية وبراقعهن التي تظهر مقدمة شعر الرأس والعيون المكحلة، ونساء المدينة بعباءة (اللف) التي يلففنها حول الخصر، والنساء العربيات بحجابهن الملون، والنساء غير المسلمات بملابس محتشمة لكن بدون حجاب. أذكر النساء في قرية أبي (الطرفاء) الواقعة شمال  غرب مدينة مكة بملابسهن الزاهية وشراشفهن الوردية والبيضاء التي يلففنها حول الوجه، بدون تغطيته، مظهرات مقدمة شعر الرأس. حتى ضربت موجة التشدد الديني مجتمعنا، ودعمتها مؤسسات الدولة، فتم فرض عباءة الرأس السوداء وغطاء الوجه على جميع موظفات الحكومة، وجميع المدراس والجامعات. وفرض الحجاب الأسود على غير السعوديات بغض النظر عن دينهن ومذهبهن. في تلك الفترة كان من المستحيل في مسقط رأسي (مكة) أن ترى أي امرأة سعودية غير منقبة، كان كشف الوجه من التابوهات الإجتماعية والمحرمات الدينية. حتى أن مطويات الوعظ الديني التي انتشرت في تلك الفترة كانت تؤصِّل لفكرة أن غطاء الوجه هو ما يفرق المسلمة عن الكافرة. وقد وُجهت في فترة من حياتي عندما كنت منقبة بإتهام (الكفر) من طفلة في العاشرة من عمرها كانت تجلس بجانبي في الطائرة عندما رفعت نقابي لتناول وجبة الطعام.

 

تقول مقدمة احدى مطويات فترة الصحوة والتي تدعو للحجاب وتحذر من تركه:

“هدية للمرأة المسلمة

أختي المسلمة إنك اليوم تواجهين حرباً شعواء ماكرة، يشنها أعداء الإسلام بغرض الوصول إليك وإخراجك من حصنك الحصين، حتى قال بعضهم (علينا أن نكسب المرأة ففي أي يوم مدَّت إلينا يديها فُزنا بالحرام وتبدد جيش المنتصرين للدين) وقال آخر: (كأس وغانية تفعلان في تحطيم الأمة المحمدية أكثر مما يفعله ألف مدفع، فأغرقوها في حب المادة والشهوات). فكوني حذرة أختي المسلمة ولاتنخدعي بما يثيرونه من شبهات وشكوك وبما يرفعونه من شعارات. ومن المسائل التي يحاول أعداء الإسلام التشكيك فيها والقضاء عليها (مسألة الحجاب) حتى قال بعضهم: (لا تستقيم حالة الشرق مالم يُرفع الحجاب عن وجه المرأة ويغطى به القرآن)”

وتم تصدير نفس الفكر لخارج السعودية بدولارات النفط. أرجع بالذاكرة لأيام الحرب البوسنية عندما سيّرت السعودية قافلات إغاثة للمحاصرين في سراييفو كان المسؤولون على هذه القوافل يوزعون الحجاب على النساء مع كراتين الغذاء.

 

أصبح الحجاب الإسلامي في السعودية لا يصح إلا بغطاء الوجه والجسم بالكامل بالسواد، وعلى الرغم من أن النساء يبدين متطابقات تماماً لأي شخص من خارج السعودية، لكن السعوديين استطاعوا تطوير فراسة من نوع فريد جداً للتعرف على المرأة التي تقبع داخل ذلك السواد. كان أبي يعرفني من بين العشرات من الطالبات الواقفات خارج أسوار المدرسة أو الجامعة، ولم يخطئني يوماً مع فتاة أخرى، كما نتعرف على قريباتنا أو صديقاتنا إذا صادفنا إحداهن في السوق أو المسجد. تصبح لدينا حساسية كبيرة للصفات الأخرى كالصوت، طريقة لبس النقاب، العينين، المشية، وحتى نوع العباءة وحقيبة اليد والحذاء. ويجد الشباب طريقة للتعرف على سن الفتاة وقوامها من مشيتها فقط.

 

ثم جاءت فترة التسعينات الميلادية بقنواتها الفضائية وتلتها الألفية الثالثة بتطور وسائل التواصل من انترنت وهواتف نقالة، وتوفرت الخيارات أمامنا لقراءة الأقوال المغايرة للرأي الواحد الذي طالما تم تقديمه لنا على أنه وحده الذي يتبع منهاج النبوة ويمثل الإسلام الصحيح. وبدأ المجتمع المحافظ بطبعه بطرح التساؤلات والشكوك حول أمور تم فرضها كمُسلَّمات على الجميع بقوة الدين وبمباركة الدولة، وكان من أوائل هذه الأمور الحجاب بتفسيره الوهابي الضيق، لكن الأمر لم يكن بتلك السهولة. عندما قررت التوقف عن ارتداء النقاب في عام ٢٠٠٢، واجهت حرباً باردة مع عائلتي ومع المجتمع، إرتدت أمي النقاب في فترة الصحوة ومع ذلك لا ترتديه في سفرنا خارج السعودية، لكنها رفضت حقيقة أن ابنتها اختارت ألا ترتدي النقاب في السعودية والسبب كان اجتماعياً وليس دينياً (لن تتزوجي يا ابنتي إذا كشفتي وجهك). في مكة كانت النظرات المستهجنة تلاحقني إذا عرفوا في المكان أنني سعودية. كنت أؤدي الطواف في أحد الأيام، وكان المراقب الذي ينظم حركة الطائفين في صحن الحرم ينصحني بصوت عالي كلما مررت عليه وأنا أطوف (غطي وجهك يا مرة)، في المرة الثالثة نظرت إليه مباشرة وأشرت بأصابعي حولي (وكل هاتين المسلمات الطائفات وهن كاشفات هل هن عاصيات؟ أم كوني سعودية فقط؟)، توقف الشيخ عن نصحي في بقية الأشواط. وعلى الرغم أنني لا أرتدي النقاب في الشارع ومكان عملي، لكن كان علي استعارة نقاب صديقتي لدخول المحكمة، حيث لا يسمح للنساء بدخول المصالح الحكومية وخصوصاً المحاكم وهن كاشفات، وكان علي احضار معرفين ذكرين أحدهما أخي لتعريفي أمام القاضي على الرغم من وجود بطاقة الهوية معي.

 

قد يكون التغيير بكشف الوجه هو الأكبر الذي مر به المجتمع السعودي، لكن ذلك ليس التغيير الوحيد الذي تجرأت النساء على فعله مع الحجاب. بدأت مجموعة من فتيات (جدة) بفكرة ارتداء عباءات ذات ألوان مغايرة للون الأسود، فظهرت العباءات ذات الألوان الرمادية والكحلية والبني الغامق في جدة، وعندما ظهرت نفس الألوان في الرياض قامت الهيئة بشن حملة صادرت فيها العباءات الملونة من محلات العباءات، ولا أعرف كيف ستتعامل الهيئة مع العباءات زاهية الألوان إذا ظهرت. ولأجرب ذلك طلبت من المحل الذي أتعامل معه أن يفصل لي عباءة ملونة لكن صاحب المحل رفض بشدة: (إذا شوهدت عباءة ملونة في المحل سأتعرض للمسائلة والمضايقة من قبل رجال الهيئة)، لكن صديقاتي دللني على أحد المحلات التي تقبل تفصيل عباءات ملونة ويتم تسليمها للزبونة بالخفاء. التغيير الآخر كان في رمزية العباءة، فلم تعد مقتصرة على المعنى الديني أو الاجتماعي فقط، بل أصبحت العباءة تعامل كالأزياء تماماً، تظهر trends وتختفي كل فترة. وظهرت مصممات أزياء متخصصات في تصميم العباءات فقط ، يقمن عروض أزياء لعرض آخر التصاميم وتصل أسعار العباءات لعشرات الآلاف حسب شهرة المصممة ونوعية القماش والمواد المستخدمة في تطريز العباءة.  ظهرت أيضاً أنواع مختلفة للعباءات حسب كل مناسبة، عباءة للدوام تتميز بكونها عملية، وعباءة للسوق، وعباءة للمناسبات وتتميز بكونها مطرزة وفخمة، وحتى عباءات شتوية وصيفية.

 

وعلى الرغم من كل هذه التغييرات التي ذكرتها، تظل العباءة السوداء مفروضة بقوة الدولة. يقول المدافعون أن في ذلك حفظ للفضيلة وتأكيد على تطبيق الشريعة الإسلامية، لكنهم نسوا أن في فرض شكل معين من اللباس على فئة من الجتمع ماهو إلا سابقة لم تحدث في تاريخ الأمة الإسلامية، فلطالما كان شكل اللباس ولونه متروكاً للمجتمع الإسلامي مع البقاء على الحشمة بشكل عام. لذلك أجد فرض العباءة السوداء ماهو إلا تعطيل لسنة الحياة واعاقة للتطور الطبيعي الذي يحدث في طريقة وشكل اللباس التي طالما حدثت حسب حاجة الناس وتغير الظروف.

“بيدرو” البرازيلي و”عبودي” السعودي


Aboody & Pedro

مر أكثر من عام على مقالتي (تزوجي برازيلياً)، المقالة التي سببت لغطاً وألهمت مجموعة من السعوديات لإطلاق حملة (صورية) تحمل نفس الاسم، كما نشرت جريدة الاتحاد الإماراتية في حينه، تفاجأت أيضاً أن المقالة تُرجمت ونُشرت في عدد من المواقع الإنجليزية والإسبانية. لم تكن المقالة تروج للزواج من برازيلي بل كتبتها من باب الدعابة، بعد أن سمعت قصة طلاق المستشار البرازيلي الذي كان يعمل معنا في أرامكو، وأصابتني الصدمة حين قارنت بين قوانين الأحوال الشخصية في البرازيل وكيف أنها تقف بصف المرأة دائماً، وتحفظ حقوقها كاملة من نفقة وسكن وحضانة، وبين غياب قوانين الأحوال الشخصية في السعودية وتحيز الأنظمة للرجل في أحوال كثيرة، متخذين من أحاديث ضعيفة كحديث (أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ، مَا لَمْ تَنْكِحِي) في الحضانة أساساً لهذا التحيز.

من الطريف عزيزي القاريء أن نفس االمستشار البرازيلي، المذكور في تلك المقالة، هو زوجي اليوم. لذلك أتندر حين يسألني أحد عن زواجنا بمقولة: (رُبَّ مقالة خير من ألف خطّابة). وكم أحلم الآن أن أحمل نفس الابتسامة حين يسألني الأهل والأصدقاء عن طفلينا من زيجتينا السابقتين “بيدرو” و “عبودي”. فالحلم البرازيلي الذي يعطي المرأة كل شيء تهشم عندما علمت أن “بيدرو” يعيش مع جديه لأمه لا مع أمه، كما يعيش “عبودي” مع جدته لأبيه لا مع أبيه. يتم اقتطاع نفقة “بيدرو” وتودع في حساب والدته، لكن لا يصله منها أي ريال (عملة البرازيل). كان حلمنا بعد زواجنا أن نأخذ الأطفال لرحلة لديزني لاند في فلوريدا، وبعد أن أتممنا كل التجهيزات منعتنا ورقة الموافقة على السفر التي رفضت أم “بيدرو” توقيعها، وحصل نفس الأمر مع “عبودي”، وهي نفس الورقة التي تقف بينهما وبين أن يلتم شملنا يوماً في مقر عملنا وإقامتنا في دبي. بين دموع طفلينا وانكسارات قلبينا أنا وزوجي، لملمت أوراقي لأعيد كتابة رأيي في مسألة القوانين الشخصية. أعتذر مسبقاً من حواء فهذه المرة لست مع حقك في الحضانة، ولكنني لست مع الرجل أيضاً.

تنص القاعدة أن الحضانة حق للمحضون وأينما وُجدت المصلحة تذهب الحضانة. والقوانين وُضعت لتحفظ للناس حقوقها، وتحكم بينهم بالعدل. لكن ماذا إذا كان صاحب الشأن قاصراً فاقداً للتمييز بين أي الأمرين أصلح له؟ من سيقرر بالنيابة عنه؟ ألا يجب أن يقف القضاء بجانب الأطفال فيعهد بهم للأصلح، بغض النظر عن جنسه رجلاً أو امرأة؟ أو يحكم بالحضانة المشتركة فلا ينشأ الأطفال محرومون من حضن أم أو رأفة أب؟ كم من مرة استغل أحد الوالدين وجود القانون بصفه فاستخدمه ليسبب الحسرة والقهر للطرف الآخر، وقد أعمته الكراهية ولذة الانتقام عن رؤية الألم الذي يسببه لأطفاله أولاً، فيزيدهم هماً على هموم، لا تفهمها قلوبهم الصغيرة، وكأن الطلاق ذنبهم لا ذنب والديهم. إنها الآلام، التي ستظل ندوباً غائرة، تتجاوز طفولتهم إلى مراهقتهم، وسن رشدهم، وبقية حياتهم.  اليوم تضيع الطفولة، بين تحيز قوانين الأحوال الشخصية في الغرب للمرأة، وتحيزها في الشرق للرجل.

وقفة:

{ لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا } – القرآن الكريم

شفاه غليظة.. قصتي مع مقاييس الجمال أيام طفولتي


وقعت بين يدي مؤخراً عددا من الصور القليلة التي نجت من التقطيع أيام مراهقتي التي صادفت فترة الصحوة. لاحظت وأنا أقلبها عاملاً مشتركاً طريفاً.. كنت أبدو في كل صورة (زامة) شفتيّ وكأنني أكتم نَفَسي أو أمنع كلمات كنت على وشك قولها قبل أن أسمع (ثلاثة) التي تعلن وقت الضغط على زر التصوير. جلست أقلب الصور، ومعها ذكريات عشتها كمراهقة، أحبطتها مقاييس الجمال التي فرضها المجتمع حولها. فشفاه “ميرفت أمين” المنمنة كانت المقياس للشفاه الجميلة التي سقطت منه شفاهي الكبيرة التي ورثتها عن والديّ العزيزين. مقاييس الجمال في تلك الفترة من التسعينات كانت شيئا كالتالي: (بيضاء البشرة، الشعر ناعم وطويل، الشفاه منمنمة، الجسم ممتليء، الخ الخ). كنت العكس تماما (حنطية البشرة، شعر غجري، شفاه كبيرة، جسم نحيل، إلخ إلخ). كانت أمي تطلب مني أن أضم شفتيّ عند التصوير لأبدو أجمل! ولغبائي كنت أطيع.

هذه الطاعة استمرت فقط فترة مراهقتي، بعد تخرجي من المرحلة الثانوية ودخولي الجامعة أصبحت أتعمد التمرد على كل ما يقرره المجتمع حولي من مواصفات يعتمدها للجمال في نظره، ببساطة لأنني لن أمتلك يوماً شفاه ميرفت أمين ولا بشرة سعاد حسني، كان علي تعلم حب كل صفاتي الصحراوية بعيدا عن قوالبهم حتى لا أصاب بالإحباط. سأذكر قصة طريفة أخرى، كانت مباني جامعتي جامعة الملك عبدالعزيز بجدة متباعدة، وكنا نمشي فترات طويلة تحت الشمس لنلحق بالمحاضرات بين هذه المباني، ما يمنح البشرة سمرة تجدها الفتيات بشعة لأنها تخالف أول صفة في قائمة الجمال التي حفظنها، كنت أراهن يتبادلن النصائح حول الكريمات المبيضة، والكريمات الواقية من أشعة الشمس وحتى المظلات، وكن ابتسم في قلبي.

تدور الأعوام وتدور الأيام وبقدرة قادر أسمع صديقاتي يمتدحن سمرة بشرة الممثلة الفلانية وهل هي طبيعية من حمامات الشمس أم صناعية من كريمات التسمير. وكيف أصبحت شفاه أنجلينا جولي الكبيرة حلم النساء الذي يلاحقنه بحقن البوتكس، والشعر الغجري صار بجمال الشعر الناعم، والجسم الذي كان يُعتبر نحيلا أصبح مقياس الرشاقة الذي تروج له مجلات الموضة ومراكز ومنتجات الحمية.  كنت أسمع غير مصدقة، وفي قلبي شيء من الغضب، لأن كان علي سلوك الطريق الوعرة في تجاهل أنني لم أولد على مقاس القالب الجمالي الذي يرضاه مجتمعي.

إن مقاييس الجمال التي تعممها المجتمعات تكون في أحيان كثيرة متغيرة ومتأثرة بما يفتقدونه، فالسمراء أجمل في بلاد الشقر الماطرة والبيضاء أجمل في بلاد الصحراء المشمسة، لكن المقاييس مهما تغيرت وتبدلت فإن الصفات الجسمانية التي وهبنا الله إياها لن تتغير، وحتى محاولات تغييرها بالجراحات البلاستيكية مكلفة ومؤلمة وقد لا تنجح أحيانا، فنشوه أنفسنا بدلا من أن نجعلها تتوافق مع مقاييس تأتي ثم تذروها الرياح.

تعلمت بعد كل تلك السنين وبعد كل تلك الدموع أن أحب نفسي كما أنا، لا كما يوافق هوى الناس ومقاييسهم.. فأهوائهم متغيرة.. لكن سمرتي و جبهتي الواسعة وشفاهي الغليظة باقية..

2012 in review


The WordPress.com stats helper monkeys prepared a 2012 annual report for this blog.

Here’s an excerpt:

19,000 people fit into the new Barclays Center to see Jay-Z perform. This blog was viewed about 120,000 times in 2012. If it were a concert at the Barclays Center, it would take about 6 sold-out performances for that many people to see it.

Click here to see the complete report.

عشاء مع سعادة السفير


في ليلة خريفية مبتلة، سكبت فيها السماء غيماتها قطرات من مطر على نوافذ مدينة النور، ومع أنغام عربية تنبعث بسعادة من سماعات المطعم… تحلقنا حول طاولة العشاء في معهد العالم العربي مع سعادة سفير النرويج لمنظمة اليونسكو السيد تور ايركسون. كان معنا مديرة المعهد السيدة منى خزندار، وهي أول امرأة تترأس ادارة أحد أهم المؤسسات الثقافية في أوربا والعالم ، ولسعادتي فإن منى سعودية أيضاً. وعلى الجانب الآخر من الطاولة جلست السيدة فيجديس ليان، رئيسة اللجنة الوطنية النرويجية لليونسك. كان الحوار شيقاً، لوجود الأشياء المشتركة بيننا وبين النرويج، فهي مملكة وليست جمهورية وتعتبر خامس أكبر مصدر للنفط بانتاج مليوني برميل يومياً – أي خُمس انتاج السعودية- و ثالث أكبر مصدر للغاز في العالم ولكنها ليست عضوًا في منظمة أوبك.ولاعطاء نبذة مبسطة عن مملكة النرويج، فهي دولة أوربية من الدول الاسكندنافية، عدد سكانها لا يتجاوز الخمسة مليون، تتبع نظامًا ملكيًا دستوريًا ديمقراطيًا برلمانيًا. تم اكتشاف النفط فيها عام ١٩٦٩م ولم يوفر إنتاج النفط دخلاً صافياً حتى أوائل عقد الثمانينات من القرن العشرين، بسبب رأس المال الضخم الذي تطلبه إنشاء البنية التحتية لصناعة النفط الذي تملك أغلب مؤسساته الدولة. يتمتع النرويجيون بثاني أعلى ناتج محلي إجمالي للفرد الواحد في العالم وتأتي في المرتبة الأولى عالمياً في مؤشر التنمية البشرية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي. كما تتصدر قائمة أفضل الدول من حيث مستوى المعيشة وتتمتع بأعلى مستوى حرية صحافة في العالم مناصفة مع آيسلندا بحسب (مراسلون بلا حدود) وتمتلك أدنى معدل جرائم قتل في العالم.
من حسن حظي أن سعادة السفير رجل اقتصاد أيضاً، ماجعلني أستغل الفرصة لأمطره باسئلة طالما أشغلتني، كان سؤالي الأول عن نعمة أو نقمة النفط، كيف ستتعامل النرويج معها بعد أن ينفد النفط من حقوله؟
قد تكون الإجابة معروفة للقاريء لكن من الجيد سماعها من واقع تجربة، يقول ايركسون: “من السهل جداً الاعتماد على الثروة النفطية الهائلة التي تملكها البلاد، لكن ذلك سيجعلنا تحت رحمة ارتفاع وانخفاض أسعار النفط، لذلك خلقنا اقتصاد لا يعتمد على الثروة النفطية، حيث نوعنا مصادر الدخل بحيث لا تشكل عائدات الثروة النفطية غير ٣٠٪ من الناتج المحلي، واستثمرنا أكثر في الصناعات الأخرى كمزارع الأسماك والمنسوجات والمنتجات الورقية وغيرها، غير امتلاكنا لسادس أكبر أسطول بحري في العالم. تحرص الدولة أن يكون هناك أعلا درجات الشفافية مع الشعب في نشر تقاريرعن كل كرونة – عملة النرويج- تدخل خزينة الدولة من الثروة النفطية، لكن ذلك صنع مشكلة كبيرة حيث يرى الجميع مقدار الثروة الهائلة التي تملكها الدولة ما يجعل الرغبة في الإنفاق مستمرة، لذلك هناك سياسة داخلية غير مكتوبة لوضع حد أعلا للإنفاق السنوي من الثروة النفطية لا نتجاوزها، ونقوم باستثمار الفائض من الثروة النفطية في دعم الصناعات الأخرى أو في الاستثمار في الأسهم والسندات والعقارات. لكن أهم ماقامت به الدولة هو انشاء صندوق الثروة السيادية (صندوق معاشات التقاعد الحكومي – العالمي)، والذي يمول من عائدات النفط..”
ولأكمل حديث سعادة السفير سأقتبس من موقع ويكيبيديا: “تشير التوقعات إلى أن صندوق المعاشات النرويجي يمكن أن يصبح أكبر صندوق رأس مال في العالم، وحاليًا هو ثاني أكبر صندوق ثروة سيادي مملوك لدولة، خلف جهاز أبوظبي للاستثمار. صادرات النفط والغاز المستمرة إلى جانب وجود اقتصاد سليم وتراكم الثروة الكبيرة يؤدي إلى استنتاج مفاده أن النرويج سوف تظل من بين أغنى البلدان في العالم في المستقبل المنظور.”
تحولت باسئلتي للسيدة فيجديس ليان، وهي امرأة في بدايات الستينات من عمرها، شعرها الأبيض بالكاد يلامس كتفيها. لها عينان دافئتان يعلوهما حاجبان أسودان كثيفان: “سيدة ليان، تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي يشير إلى أن النرويج على رأس القائمة في مستوى المساواة بين الجنسين، فيما يصنف نفس التقرير المملكة السعودية وتشاد واليمن على أنها الأقل مساواة في العالم مع أني أشك أن اليمن أقل منا فهناك يمنيات عضوات في الحكومة. أي نحن نأتي في ذيل القائمة بينما تتصدرون أنتم القائمة. كيف حصلتن على حقوقكن، هل استيقظ ملك النرويج يوماً وقرر اعطائكن حقوقكن كاملة؟ هل كان للبرلمان المنتخب دور في ذلك؟ ما سركن؟”..
عبست السيدة ليان من قولي وأزاحت كوبها جانباً وكأنها تفتح الطريق بيننا. مدت يديها أمامها وهي تشير بكلتيهما وبقوة اشارة النفي.. “لا لا لا.. لم يحدث في تاريخ البشرية وليس النرويج فقط أن أخذت النساء حقوقهن لأن الرجال أرادوا ذلك، لقد قاتلنا وقاتلنا وقاتلنا، قاتلنا لآخر حق ومازلنا نقاتل.. من نيل حق التصويت وبقية الحقوق السياسية وحتى حق الحضانة في مكان العمل واجازة الأمومة التي تستمر لسنة كاملة بلا أي اقتطاع من الراتب.. من يخبرك أن النساء سينلن حقوقهن لأن الرجل سيسمح بذلك فهو إما كاذب أو مجنون”..
حولت نظري للسيدة منى خزندار، مثال مشرف للمرأة الناجحة، ظلت تستمع للحوار بهدوء وابتسامة تعلو محياها، هزت رأسها علامة الموافقة على العبارات التي نطقت بها السيدة ليان.. وجهت حديثي لها هذي المرة: “كتبت مرة مقالاً عن تكريم السعوديات خارج الوطن، وكنت أحد الأمثلة المشرفة التي استشهدت بها، وكم هو فخر كبير أن أكون معك اللحظة.” قالت بعد أن شكرتني بأدب جم: “أدين بالكثير لوالدي عابد خزندار، فهو من شجعني لإكمال دراستي في الخارج، لكن بعد أن أكملت دراستي كان من الصعب جداً العودة لأرض الوطن، وفضلت البقاء هنا.” مر طيف الخبر الذي قرأته قبل أسابيع حين كانت” منى” في زيارة لأرض الوطن وعند تجديد جوازها، طلبوا احضار (ولي أمرها) لاستلام الجواز. رغم أنها تتبوأ منصباً دولياً مهماً، ورغم الدرجة العلمية المرموقة التي تحملها مازالت منى وكل السعوديات نعامل كقاصر من قبل الجهات الرسمية السعودية.
تبعثرت عندها الأفكار بعد أن صعدت لأعلى القائمة مع النرويجيين، ثم هوت للأسفل مع واقع مرير ومستقبل مجهول.. وفكرة واحدة تدور في رأسي.. وستكون رفيقتي في السنوات القادمة..

بعد أن قتلنا تالا


الجريمة المفزعة التي استيقظ عليها المجتمع السعودي حين قتلت عاملة منزلية من إندونيسيا الطفلة تالا الشهري، ذات الأعوام الأربعة، التي كانت تقوم على رعايتها… الجريمة تمت بدم بارد، إذ فصلت العاملة المنزلية رأس الطفلة عن جسدها بساطور، وتركتها على فراشها مضرجة بالدماء حتى عادت أمها وأخواتها من المدرسة ليشهدوا تلك الفاجعة، لا يعرف أحد لماذا أقدمت العاملة المنزلية على جريمتها البشعة، إذ لا يزال التحقيق جارياً، وفي مقابلة معها على قناة «إم بي سي»، ذكرت العاملة المنزلية أنها كانت لوحدها مع الطفلة المغدورة حين وصلتها رسالة على جوالها تخبرها أن «إقامتها» انتهت وحان وقت عودتها لبلدها، بعد سبعة أعوام قضتها في خدمة هذه الأسرة، لم أتمالك دموعي وأنا أشاهد الأب المكلوم يروي ما حدث، ولا أستطيع تخيل حزن أم تالا، ولا أملك إلا أن أدعو لهما أن تكون شفيعة لهما يوم القيامة، وأن يربط الله على قلبيهما.

أم تالا معلمة، تخرج كل صباح لتُعلم فلذات أكبادنا، وتضحي بترك فلذات أكبادها لمصير مجهول مع العاملة المنزلية… أم تالا، وأم سلطان، وأم سارة، وأم عبدالله… كل الأمهات بلا فرق، حين يخرجن للعمل والمشاركة في أعباء الحياة وبناء الوطن يتركن أطفالهن لمصير مجهول… سمعت وقرأت التقارير التي خرجت بعد هذه الفاجعة، كلها تدور في دائرة مفرغة، كلها تبحث عن حلول للمشكلة، فهذه تطالب بعمل تحليل نفسي للعاملات المنزليات قبل استقدامهن، وذاك يطالب بالتأكد من صحيفة سوابقهن الجنائية قبل القدوم للسعودية، والثالث يلقي باللائمة على «الدورة الشهرية»، والمعلمات يناشدن أن تتكرم وزارة التربية والتعليم بفتح حضانات ملحقة بالمدارس.

أصابني الدوار وأنا أتابع المشهد، الكل يخترع حلولاً لمشكلة نحن أوجدناها بأيدينا، هلا رجعنا قليلاً للخلف، قبل عقود حين كان الأب والأبناء يقومون بدورهم الطبيعي في تحمل أعباء الأعمال المنزلية مع الأم، حين كان الكل يشارك في ترتيب المنزل وتنظيفه، حين كان الأبناء الأكبر سناً يرعون الأبناء الأصغر سناً عند انشغال أو غياب الوالدين، حين كان «الصبي» أو «الخالة» ممن كانوا يعيشون معنا في المدينة نفسها يمرون المنزل للمساعدة عند الحاجة ويستلمون يوميتهم ويغادرون… ماذا حدث وجعلنا لا نعيش حياة طبيعية إلا بوجود العاملة المنزلية؟

الذي حدث أن المزيد من النساء خرجن للعمل من دون أن توفر لهن أبسط حقوق المرأة العاملة، وأحدها توفير دار حضانة مرخصة، الذي حصل أن صاحب العمل يتجاهل أنظمة وزارة العمل، التي تفرض عليه توفير حضانة في مكان عمل الأم، كما نصت عليه المادة 159 من الباب التاسع من نظام العمل والعمال السعودي، وبين تقصير وزارة العمل في معاقبة المخالفين لهذا النظام، وبين تجاهل أرباب العمل الذين يدخل من ضمنهم جميع الجهات الحكومية التي تعمل لديها نساء، كالإدارات الحكومية، ووزارة التربية والتعليم، والمستشفيات الحكومية، وبين عدم معرفة النساء العاملات بحقوقهن… بين كل ذلك ضاعت الحقيقة.

تالا وأمها هما من دفع الثمن الأغلى … فصاحب مكتب الاستقدام لا يزال ينشر إعلاناته في الصحف عن إضافة دول جديدة لقائمة اللحوم الإنسانية التي يقدمها لنا، ووزارة العمل تدفن رأسها في التراب، فلا سنت الأنظمة واللوائح التي تنظم العلاقة بين رب الأسرة وبين العمالة المنزلية، ولا اشترطت التحقق من السوابق الجنائية لمن يتم استقدامه ليسكن معنا في منزلنا ووطننا، ولا لاحقت المتقاعسين عن تنفيذ مواد نظام العمل، ونحن كأمهات تقاعسنا حين دللنا أبناءنا وسكتنا عن أزواجنا فلا يشاركوننا أعباء الأعمال المنزلية، ونحن كعاملات وموظفات تقاعسنا حين صمتنا دهوراً عن أبسط حق يحمي أغلى ما نملك، وضيعنا العمر في مناشدات ومطالبات، ولم تتقدم إحدانا لديوان المظالم حتى اليوم بشكوى على صاحب العمل لتوفير حضانة في مكان العمل، يتحمل هو تكاليف إنشائها وتشغيلها، حتى لو كانت وزارة التربية والتعليم، فلا أحد فوق النظام، الكل اشترك فــي الجريمة… الكل قتل تالا .. حتى إشعار آخر.

نشرته صحيفة الحياة اللندنية

الأربعاء ١٠ أكتوبر ٢٠١٢

لغتنا العربية … وألمانيا


حين حضرت أحد مؤتمرات التقنية والاتصالات قبل أعوام مضت في مدينة هانوفر الألمانية، أحسست بالضياع؛ لأن كل ما في المدينة يتحدث الألمانية والألمانية فقط. الناس من حولك، لوحات الشوارع، اللوحات الإرشادية في محطة الترام، قائمة الأكل في المطاعم، والأسوأ أن المعرض المصاحب للمؤتمر كان يتحدث الألمانية فقط. كان المهندسون والمسوقون يتحدثون الألمانية والقليل من الإنكليزية. وعندما أطلب نشرة توضيحية باللغة الإنكليزية، يغيب المهندس تحت الطاولة أو خلف لوحات العرض ليخرج لي نسخة إنكليزية، وفي كثير من الأحيان لا تتوافر النسخة الإنكليزية.

قبل أن نشد الرحال لهانوفر أصر أخي على تأبط قاموس إنكليزي – ألماني، فسخرت منه طويلاً لأننا في زيارة دولة أوروبية، فمن المحتم أنهم سيتحدثون الإنكليزية. كم شكرته فيما بعد لأنه أنقذنا حين كنا نطلب الطعام، فأول كلمتين تعلمتها من القاموس (كحول ولحم الخنزير)، وكنا بعد أن ننهي طلبنا بصعوبة بالغة نشير إلى تلكما الكلمتين مؤكدين أن الطعام يجب ألا يحوي أياً منهما.

هانوفر مدينة صغيرة يقطنها نصف مليون نسمة حسب إحصائية ٢٠١٠، تقبع في الجانب الشمالي لألمانيا. المدينة جميلة جداً وهادئة جداً، لا يخطر ببال زائرها أن الحرب العالمية الثانية دمرتها بالكامل في ٨٨ غارة جوية أمطرتها بالقنابل. فإذا حصل وزرت مبنى بلدية هانوفر فسترى صورة للمدينة قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها، ستقف مشدوهاً أمام الصورة التي بعد الحرب العالمية الثانية، حيث لا يبدو فيها عمود واحد قائم غير برج إحدى كنائسها. الجميل أن المدينة اليوم تجاوزت جراح الحرب وأصبحت معروفة بأنها عضو فاعل في منظمة «عُمد من أجل السلام» التي تحث المدن والمواطنين في جميع أنحاء العالم على القضاء على الأسلحة النووية وإزالتها بحلول عام ٢٠٢٠.

ما شعرت به وقتها أن الألمان يعتزون كثيراً بلغتهم، حيث يجبرونك على استخدامها لتعيش بينهم. حين عدت لأرض الوطن، استغرقت في التفكير كثيراً في مقدار اعتزازنا بلغتنا العربية مقارنة بهم. كنت أجول ببصري في اللوحات من حولي وأنا في طريق العودة من المطار، تنبهت للمرة الأولى إلى أن اللوحات الإعلانية تحتوي أخطاء إملائية ونحوية صارخة! حتماً قرأت قبل اليوم لوحات من صنف «الآن اشتر ٢ نظارة والثالثة مجاناً»، فيما كان يجب أن تكون «الآن اشتر نظارتين والثالثة مجاناً». أصبح المثنى، الذي تميزت به لغة الضاد، عزيزاً جداً حتى كاد الرقم ٢ أن يمحوه من لغتنا. لكن ما يدعو للسخرية حقاً أن تصر المحالّ التجارية على ترجمة أسمائها إلى الإنكليزية، تمر بجانب المحل فتقرأ على لوحته مثلاً «النجم الساطع» ثم تجد بجانبه اسمه بالإنكليزية The Shining Star. وهي ميزة للأسماء التجارية العربية فقط، إذ تترجم إلى الإنكليزية باحتراف فيضيع الاسم الحقيقي للعلامة التجارية. ولتستشعر مدى الغرابة في فعل ذلك، تخيل أن الأسماء التجارية العالمية حين تفتح فروعها في العالم العربي تقرر أن تترجم أسماءها لتسهيل نطقها وتذكرها، فيصبح مقهى ستاربكس «دولارات النجمة» ومطعم تشيليز «بتاع الفلفل الحراق» وسيارة ميتسوبيشي «الألماسات الثلاث» وجوال الجالكسي «المجرة الفضائية».

لغتنا العربية الجميلة، كم صالت وجالت، قامت حروب ببحور الشعر ثم وضعت أوزارها، كم رفعت أقواماً وخفضت، كم كانت بريد العاشقين، وابتهال العابدين. واليوم تشتكي نكران أبنائها وتخليهم عنها، عيب علينا تضييعنا لكثير من أصول هذه اللغة، وانحرافنا عن مسارها أو لنقل جهلنا بأساليبها، وقواعدها. نهتم بتعليم أبنائنا اللغات الأجنبية على حساب العربية، ويساهم الإعلام كل يوم في قتل اللغة العربية بلا رحمة، ويزيد الطين بلة تعليمٌ ظلَمَ اللغة العربية فأخرج أجيالاً لا تعرف الفرق بين الضاد والظاء.

وأعود بالذاكرة لهانوفر الألمانية وأسترجع ما قرأته ذات مرة:

«اللغة هي ذاكرة الأمة، وهي اللاوعي العميق، وهي الذات… وحين تبدأ الأمة تتكلم بغير لغتها فهي تفقد ذاكرتها».

نشرته صحيفة الحياة

الأربعاء ٦ يونيو ٢٠١٢

حين يكون الصمت علامة الجهل (٣-٣)


تحدثت في المقالين السابقين عن قراءة في الحقوق المدنية للفرد السعودي، بحسب ما جاء في كتاب «أسوار الصمت»، للكاتب وليد الماجد، وتحدثت عن أربعة حقوق أساسية يشترك فيها جميع المواطنين: حق السكن، حق العلاج، حق التعليم، حق التعلم التي من دونها لا يستقيم للمواطن عيش، ولا يمكن أن نكلفه بأن يكون عضواً فاعلاً في مجتمعه ووطنه من دون توفرها أولاً.

وسأفرد هذا المقال لما جاء في الباب الثالث من الكتاب عن حقوق المرأة في السعودية، هذا الفصل من الكتاب هو ما توقفت عنده كثيراً، وأصبت بغصات وأنا أقرأ وضع المرأة في قوانين شرعنت عادات وتقاليد ما أنزل الله بها من سلطان. وفي ظل غياب المراقبة للجهات التنفيذية المتقاعسة عن تطبيق المراسيم الملكية المتعلقة بالمرأة، وقد يكون أحد الأسباب أن هذه المراسيم مبعثرة بدلاً من حصرها في نظام موحد، وغياب المعاقبة للجهات التي تتخذ إجراءات تعسفية غير منصوص عليها في اللوائح والقوانين وتحرم بسببها النساء من حقوق كثيرة ظلماً وعدواناً، لكن الأكثر إيلاماً في هذا الشأن هو غياب الوعي عند المرأة بحقوقها أو تلقينها المفاهيم الغلط على أنها من شرع الله، وبالتالي يجب عدم مناقشتها أو مساءلتها، لدرجة وصلت لشيطنة كل ما يتعلق بموضوع حقوق المرأة، وإلصاق تهم التغريب والمؤامرة لمن يتجرأ على فتح هذا الملف للنقاش، حتى أصبحت المرأة عدو نفسها بالتصدي لمحاولات كسر هذه القيود التي اعتادت عليها دهراً.

وبذلك تم تهميش المرأة في مشاريع التنمية حتى أصبحت عالة على المجتمع والرجل معاً. المرأة السعودية نفسها لا تزال تعاني من عدم وجود مؤسسات تدافع عن حقوقها من دون وصاية الرجل، فهي مستثناة من جميع مواقع صنع القرار، حتى إشعار آخر.

يقول وليد الماجد في مقدمة الفصل الثالث: «كان إلصاق مصطلح حقوق المرأة بـ«تهمة التغريب» فاعلاً، إذ نجح في تفريغ هذا المصطلح من قيمته وأهميته في المجتمع وأسهم في خلق شعور تنفيري تجاهه. طغت عندنا نظرية المؤامرة في موضوع المرأة، وفي كل الاتفاقات الدولية الصادرة في هذا الشأن، وتم تسويقها على الدوام كمشروع يراد من خلاله فقط النفاذ للمجتمع وتدميره! كم كان هذا تحليلاً متخماً بالتضخيم وفاقداً للواقعية».

المرأة السعودية الحال الفريدة الوحيدة في العالم التي لا يحق لها اللجوء للقضاء من دون الاستعانة بالرجل، وهي الزوجة الوحيدة في العالم التي يطلقها زوجها من دون علمها فيبقى اسم المطلقة ضمن «دفتر العائلة» ليتاجر باسمها. وهناك تعميم وزارة العدل برقم ٨/٢٦/ت وتاريخ ٢٧/٢/١٤١٠هـ يشير إلى أن نفقة المطلقة الحامل حتى تلد وسكنها من مسؤولية الرجل، لكن المرأة تتجه إلى بيت أهلها فور طلاقها. والتعميم نفسه جاء صريحاً في عدم منح الأب حق منع الأطفال الذين في حضانة أمهم من السفر معها للخارج، إلا أن الجوازات تمنع المرأة من اصطحاب أطفالها من دون إذن الأب.

نظام القضاء الجديد الصادر بالمرسوم الملكي ٧٨/م وتاريخ ١٩/٩/١٤٢٨هـ نص على محاكم متخصصة للأحوال الشخصية اختصاصها قضايا الأسرة، ولا تزال هذه المحاكم مع قانون الأسرة حبراً على ورق. وغيرها من التعاميم التي عرضها في هذا الفصل التي تجهلها المرأة فتبقى طي النسيان.

 نشرته الحياة

الأربعاء ٣٠ مايو ٢٠١٢

حين يكون الصمت علامة الجهل (٢-٣)


عودة لكتاب «أسوار الصمت» للكاتب وليد الماجد، تحدثت في الجزء الأول من هذا المقال عن حقين من الحقوق الأساسية للمواطن: السكن والعلاج، وفي هذا المقال سأتحدث عن حقي التعلم والعمل، كما يعرضهما الكتاب. وهي محاولة للتأكيد على أن الوعي الحقوقي يأتي أولاً في سبيل إنشاء دولة الحقوق والمؤسسات التي تحفظ فيها كرامة الإنسان.

حق التعلم: تنص المادة ٣٠ من النظام الأساسي للحكم على: «توفر الدولة التعليم العام وتلتزم بمكافحة الأمية». إذن هو حق اعترفت به الدولة وكفلته، لذلك لن أكتب ديباجة تتحدث عن أهمية التعليم في تقدم الدول وتنميتها ورخائها، ولكن سأشير إلى أن هذا الحق أساس لحصول المواطن على حقوقه الأخرى.

واقع الحال اليوم لا يجعلنا ننشغل برفع جودة التعليم وكسر المعوقات التي يئن منها المجال التعليمي من انعدام ثقافة التفكير الناقد لحساب ثقافة الحفظ والتلقين التي أنشأت أجيالاً لديها ضمور في خلايا الإبداع المعطلة قصراً. نجد المواطن يناضل ليجد مقعداً لأبنائه في المدرسة أو الجامعة، فيضطر الكثير (والكثير أيضاً يفضل) إلى دفع المبالغ الطائلة ليحفظ وعي أطفاله في مدارس أهلية مجهزة وليرفع مستواهم التعليمي، لكون المناهج في هذه المدارس يضاف لها مواد مهمة وغير موجودة في التعليم الحكومي، خصوصاً الصفوف الأولية «كاللغات والحاسب الآلي والإنترنت»، ولتوفر الأساليب والأدوات التربوية المتقدمة في هذه المدارس الأهلية.

حق العمل: يجب أن نعرف أن العمل هو مسألة كرامة قبل كونها مسألة حق فقط.

تنص المادة ٢٨ من النظام الأساسي للحكم على: «تيسر الدولة مجالات العمل لكل قادر عليه». إن تنامي معدلات البطالة، على رغم أن الدولة في أكثر مراحلها التنموية ازدهاراً، ما هي إلا إفراز مباشر لمنظومة تعليمية لا تتكيف أو تتطور بالسرعة اللازمة لإعداد الخريجين للانخراط مباشرة في سوق العمل. أصبح «العلاقي» الأخضر الكابوس المرعب والهاجس الذي يلاحق الخريجين، المحسوبية والواسطة واحتكار أو حجز الوظائف، بحسب اللقب الذي يحمله المتقدم لها، فيه تجنٍ واضح على الوطن قبل المواطن. فيشغل الوظيفة من ليس أهلاً لها، لأن لقبه كان شفيعاً وليس مؤهلاته. أصبحت كلمة «تكفى طال عمرك توظف عيالي» أكثر ما يردده المواطن إذا تخرج أبناؤه. إن ٦٧ في المئة من القوى العاملة في السعودية من غير السعوديين، تجعلها نسبة مقلقة جداً تدفعنا للتساؤل عن الأسباب الحقيقية وراء البطالة. يستنتج الكاتب في نهاية الفصل الأول «الحقوق الأساسية» أن تعثر حصول المواطن على هذه الحقوق ناتج عن سوء توزيع الثروة وانحسار مفهوم المحاسبة في مواجهة الحكومة. وهي إشارة واضحة لحاجتنا الماسة لإنشاء منظمات المجتمع المدني «المنظمات غير الحكومية، النقابات العمالية، النقابات المهنية، والاتحادات الطلابية»، التي تكون مكملة للعمل الحكومي، إذ تراقب عمل المؤسسات الحكومية وتحاسبها، وهي أيضاً جهات مهمة لتقديم الخدمات الاجتماعية وتنفيذ برامج التنمية حين تقصر المنظمات الحكومية عن القيام بعملها.

سأتحدث عن قراءة لحقوق المرأة في السعودية، كما عبّر عنها الكاتب في مقدمة الفصل الثالث من كتابه:

«لا أعتقد أن هناك منطقة في العالم تعاني فيها المرأة من هدر لحقوقها كما يحصل عندنا… لقد أسهمت المرأة السعودية – من دون قصد – في ترسيخ هذه العبودية لها، إذ أسلمت نفسها للمؤسسة الدينية الثقافية والاجتماعية السياسية لتحيلها إلى كائن جامد منزوع الحقوق، فكرست بذلك النظرة الدونية لها، وفاقمت من أشكال التمييز والتهميش ضدها، ولم تقاوم أيضاً إهمالها المزمن في مشاريع التنمية بشكل عام، ما جعلها اليوم عبئاً على الرجل، يملؤها الشعور بالتبعية والقهر».
نشرته الحياة

حين يكون الصمت علامة الجهل (١-٣)


بعد فراغي من قراءة كتاب “أسوار الصمت” للكاتب وليد الماجد، الذي يتحدث فيه عن الحقوق المدنية للفرد في السعودية، أعترتني حالة من السوداوية لغياب الوعي الحقوقي عن أفراد المجتمع. الكتاب يعرض في ثلاثة فصول حقوق الإنسان الأساسية، وحقوق المتهم، وحقوق المرأة وهي كما أشار الكاتب أنه ركز عليها لأنها محل انتهاك كبير. ما يفرق هذا الكتاب عن غيره أنه يستخدم لغة قانونية واضحة وجريئة ومفعمة بالعاطفة، حيث تمكن الكاتب من تجاوز القراءة الإنشائية المجاملة في حقوق الفرد، إلى القراءة التحليلية الناقدة والجريئة.

سأعرض في هذا المقال، بأجزاءه الثلاثة، بعض النقاط المهمة التي عرضها كتاب “أسوار الصمت” مع التركيز على الفصل الثالث “حقوق المرأة”.

عودة لموضوع الوعي الحقوقي، الذي هو أساس حصول الإنسان على حقوقه والحفاظ على كرامته، ظل هذا الموضوع في مجتمعنا شائكاً ويتأرجح من يخوض فيه بين الشك والريبة ظناً أن موضوع الحقوق ماهو إلا افراز لثقافة غربية دخيلة، وبين الخوف من طرح التساؤلات عن حقوق الفرد لأن في ذلك مواجهة مباشرة مع الحكومة. لكن رياح التغيير التي تجتاح المنطقة وتوافر وسائل التواصل الإجتماعي ورفض الجيل الجديد فرض الوصاية عليه، كل هذه العوامل كسرت حاجز الصمت وأتاحت سقفاً عالياً وجرأة في الطرح لم تكن متوفرة من قبل. وتوحدت لأول مرة جميع التيارات المتناحرة حين جمعها الإحساس الوطني الصادق و الهم الواحد في انشاء دولة الحقوق والمؤسسات التي تحترم فيها كرامة الإنسان أولاً بغض النظر عن جنسه أو لونه أو مذهبه.

مفهوم المواطنة مستمد من القوانين الطبيعية التي أقرت للانسان حقوقاً طبيعية تمثلت في الحرية والعدالة والمساواة، ولذلك عرف القانون الطبيعي، بأنه “مجموعة القواعد القانونية التي يفرضها المنطق السليم والتي تجد أساسها في الأخلاق أو الضرورات الأخلاقية” أو كما ورد في ديباجة الاعلان عن حقوق الإنسان “إن كل المآسي تنشأ عن انتهاك الحقوق الطبيعية، كونها الحقوق التي لا تتبدل بتبدل الزمان”.

في الفصل الأول “حقوق الإنسان الأساسية” جاءت أربعة حقوق على رأس القائمة التي تحفظ كرامة الإنسان: حق السكن، والعلاج، والتعلم، والعمل. أولاً حق السكن: هو حق أساسي لحفظ الكرامة الإنسانية بينما مازال ٧٠٪ من أفراد المجتمع السعودي لايملكون سكناً (حسب ماورد في العدد ٦٥٧٨)

من صحيفة الإقتصادية المنشور في ١ أكتوبر ٢٠١١) ويكلفهم إيجار المسكن مايقارب ٦٥٪ من مدخول الفرد، حيث لايتمكن الفرد من الحصول على قطعة أرض في بلد يتمتع بمساحات شاسعة من الأراضي البيضاء. ماجعل الكاتب يحث على انشاء جمعيات للدفاع عن حق السكن حتى لو اضطرت هذه الجمعيات إلى اللجوء للقضاء لرفع قضايا حقوقية ومقاضاة الوزارات ذات العلاقة. ثم حق العلاج حيث تنص المادة (٣١) في النظام الأساسي للحكم على: “تُعنى الدولة بالصحة العامة، وتوفر الرعاية الصحية لكل مواطن”. وعلى الرغم من وضوح هذا النص إلا أن المواطن مازال يقلقه هاجس الحصول على سرير في المستشفى لأن أمامه قائمة انتظار طويلة تمتد لسنوات للحصول على العلاج المجاني في ظل قلة المستشفيات والمراكز الصحية( عدد الأسره في مستشفيات المملكة وصل إلى قرابة ٥٥ ألف سرير مع نهاية العام الماضي بمعدل  ٢.٢  لكل ألف مواطن وهو معدل يعتبر أقل من المعدل العالمي). في حين أن المستشفيات التخصصية والمتقدمة يحتاج المواطن العادي للكثير من العرائض والخطابات والواسطة للوصول إليها.

هذا الكتاب يجعلنا نعرف أن الصمت لم يعد علامة الرضا، إنما علامة الجهل بالحقوق أو حتى الخوف من معرفتها والمطالبة بها.

في الجزء الثاني من المقال سأتحدث عن حق العمل والتعليم، وفي الجزء الثالث سأتحدث عن حقوق المرأة في ظل الكثير من التعاميم والمراسيم الملكية (مع وقف التنفيذ).

نشرته الحياة

الأربعاء ١٦ يونيو ٢٠١٢